قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٥ - ذكر الاستثناء في الإيمان و الإشفاق من النفاق و طريقة السلف في ذلك
إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ [التوبة: ١١١]. و قال في نعت عموم المؤمنين: وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ [محمد: ٣٦- ٣٧]. فشتان بين من وصف بالمجاهدة و الصدق و بين من نعت بالخلف و عرض للمقت، و بين من وصف بالحقّ و بين من يجادل في الحق، و كم بين من قبل منه المال و النفس و بين من ردّ عليه المال و لم يسأله لما علم منه من البخل و الضغن، و اسم الإيمان يجمعهم و معناه يجتمع عليهم، إلّا أنّ مقامات الإيمان ترفع بعضهم على بعض و تفاوت بين بعضهم و بعض. كما قال تعالى: يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١]. و كقوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ من أَنْفَقَ من قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً من الَّذِينَ أَنْفَقُوا من بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَ كُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنى [الحديد: ١٠]. يعني الجنة على تفاوت الدرجات فيها، فجمع بينهم في الدار كما جمع بينهم في اسم الإيمان، و رفعهم في الدرجات علوّا في المقامات. كما قال تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ الله وَ الله بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٣]. و قد روينا في الخبر: الإيمان عريان و لباسه التقوى و حليته الورع و ثمرته العلم، ففيه دليل أنّ من لا تقوى له فلا لبس لإيمانه و من لا ورع له فلا زينة لإيمانه و من لا علم له فلا ثمرة لإيمانه فإن اتفق فاسق ظالم جاهل كان بالمنافقين أشبه منه بالمؤمنين و كان إيمانه إلى النفاق أقرب و يقينه إلى الشك أميل و لم يخرجه من اسم الإيمان إلا أنّ إيمانه عريان لا لبسة له، معطّل لا كسب له، كما قال: أَوْ كَسَبَتْ في إِيمانِها خَيْراً [الأنعام: ١٥٨]. و النفاق مقامات قيل سبعون بابا و الشرك مثل ذلك فيها طبقات. و روي عن النبي صلى الله عليه و سلم: أربع من كنّ فيه فهو منافق خالص، و إن صام و صلّى و زعم أنه مؤمن، من إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف، و إذا ائتمن خان، و إذا خاصم فجر. و في بعض هذا الحديث: و إذا عاهد غدر، فصارت خمسا. فإن كانت فيه واحدة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها. و في حديث أبي سعيد الخدري و أبي كبشة الأنماري: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، و قلب مصفح فيه إيمان و نفاق فمثل الإيمان فيه كالبقلة يمدّها الماء العذب، و مثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدّها القيح و الصديد، فأي المدتين غلبت عليه حكم له بها. و في لفظ آخر: أيهما غلبت عليه ذهب به. و في الخبر: الإيمان بضع و سبعون شعبة أعلاها شهادة أنّ لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق. ففي تبعيض أخلاق الإيمان و في وجود دقائق الشرك و شعب النفاق ما يوجب الاستثناء في كمال الإيمان لجواز اجتماع الإيمان و النفاق في القلب و لوجود شعب النفاق