قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٧ - ذكر الاستثناء في الإيمان و الإشفاق من النفاق و طريقة السلف في ذلك
عقوبة الدعوى للولاية و الكرامات للافتراء على الله تعالى. و كان سهل رحمه الله تعالى يقول: من علامة الأولياء أنهم يستثنون في كل شيء. و قال من قال: أفعل كذا، و لم يقل إن شاء الله تعالى. سئل عن هذا القول يوم القيامة فإن شاء عذبه و إن شاء غفر له. و قد نهى الله تبارك و تعالى رسوله صلى الله عليه و سلم أن لا يقول شيئا حتى يستثني، و أمره بالاستثناء إذا نسي فقال تعالى: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله [الكهف: ٢٣- ٢٤]. ثم قال: وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤]. أي الاستثناء. أي فاستثن إذا ذكرت فتأدب صلى الله عليه و سلم بذلك أحسن الأدب فكان يستثني في الشيء يقع لا محالة. فروي أنه دخل المقابر فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، و إنّا إن شاء الله بكم لاحقون. و قال سبحانه معلما لعباده الاستثناء و رادّهم إليه بمشيئته، و هو أصدق القائلين و أعلم العالمين: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ الله آمِنِينَ [الفتح: ٢٧]. و الاستثناء أصل يرد إليه من عرفه و لم ينكر الاستثناء. و الأصل هو أن يزيد و ينقص فأما زيادته فقد ثبت بنص الكتاب من قوله تعالى: وَ يَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [مريم: ٧٦]. و من قوله تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً [آل عمران: ١٧٣]. إلى نظائرها و ما يزيد فهو ينقص لأن معناه موجود في الكتاب بدليل الخطاب من قوله تعالى: وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: ٨٢]. و قوله: وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً [المائدة: ٦٤]. و من قوله تعالى: وَ في آذانِهِمْ وَقْراً [الأنعام: ٢٥]. و في قوله تعالى: وَ أَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٥]. فما يزيد الظالمين إلا خسارا ينقصهم رجحانا و ربحا، و ما يزيدهم إلّا كفرا ينقصهم إيمانا، و ما يكون عليهم عمى ينقصهم بصيرة، و ما يكون لهم رجسا يكون لهم من الطهارة نقصا، من قبل أنّ مزيد الشرّ نقصان الخير، كما أنّ مزيد الخير نقصان الشرّ. فإذا ثبت أنّ الإيمان يزيد بالصالحات و ينقص بالسيّئات وجب الاستثناء فيه، لأن الصالحات درجات يعلو فيها المؤمنون بحسن الولايات و المجاهدات. قال الله تعالى في المجمل من الخطاب: وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٣٩]. و قال: وَ الله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨]. و قال في المفسّر: وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأحقاف: ١٩]. و قال في مثله: وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٧]. و قال: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ من الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ الله إلى قوله: وَ فَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً [النساء: ٩٥]. و روينا في حديث وائلة بن الأسقع: الإيمان يزيد و ينقص، و روي ذلك عن جماعة