قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٣ - ذكر حكم من لا معلوم له من الأسباب
بأثره الذي كتب له حتى يستوفي رزقه الذي قسم له، فإذا فني أثره و استوفى رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه، و اعلم أنّ العبد لا ينقطع رزقه أبدا منذ أظهرت خلقته كان في بطن أمه، غذاؤه مما تفيض الأرحام من دم الحيض، يعيش بذلك جسمه من ظاهره، و معاه المستطيل من سرّته متصل بمعى أمه، يصل من بطنها مخ الطعام إلى بطنه، فيعيش بذلك، فإذا أذن الله عزّ و جلّ بخروجه بعث إليه الملك، فقطع ذلك المعي من موضع اتصاله بمعى أمه، فإذا دخل إلى الدنيا جعل رزقه من الدنيا، فإذا خرج منها فآخر رزقه من الدنيا أول رزقه من الآخرة، فإذا دخل في الآخرة كان رزقه من البرزخ كما كان في الدنيا بتلك المعاني لمعاينته المختلفة المحتملة، لذلك فإذا خرج من البرزخ و دخل في القيامة كان رزقه في الموقف على قدر حاله هناك، فإذا خرج من الموقف دخل أحد الدارين انتقل رزقه إليها فكان منها إلى أبد الأبد، فإذا شهد العبد هذا بيقين إيمانه اطمأن قلبه فاستوى عنده الرزق و الأجل فعلم يقينا أن لا بدّ من رزق كما لا بدّ من أجل، فلم يكن عليه إلّا مراعاة الأحكام فيه، و شهد من هذه الشهادة أنّ خلقا لا يقدر أن يزيد في عمره ساعة و لا ينقص منه ساعة، فإذا أيقن بهذا كان مشغولا بالمخالصة لمولاه فيما تعبده به و ولاه، ثم أنّ الرزق على وجهين، عن معان لا تحصى و بأسباب لا تعدّ و لا تضبط. فمن الرزق ما يأتي العبد بسكونه و قعوده فيكون الرزق هو الذي تحرك إليه و يأتيه، و منه ما يأتي العبد بحركته و قيامه فيكون يتسبب إليه و يطلبه، و الرزق فيهما واحد و الرازق بهما واحد، الحكمة و القدرة في المتحرّك القائم و في الساكن القاعد واحد، إلّا أنّ الأحكام فيهما متفاوتة، ثم إنّ الأشياء كلها على ضربين: مسخّر لك و مسلّط عليك، فما سخر لك سلطت عليه و هو نعمة عليك و عليك الشكر عليه، و هذا مقام الشكر على معنى الرزق، و ما سلط عليك فقد سخرت له أنت و هو بلاء عليك و عليك الصبر فيه، و هذا مقام الصبر عن معنى الابتلاء. فمن شهد ما ذكرناه عرف حاله من مقامه فقام بحكم ما عرف، و من لم يشهده جهل حاله و لم يدر مقامه فاضطرب فيه فضيّع حكم الله عليه و المستحبّ لمن لا معلوم له أن لا يأخذ مما آتاه إلّا قدر الحاجة، و علامة حاجته هو أن لا يأخذ إلّا ما يحتاج أن يشتريه فهو حاجته في وقته، فذاك رزق من الله تعالى و معونة له. فأخذ هذا أفضل و ما آتاه مما لا يحتاج أن يشتريه أو عنده مثله فهو اختبار له و ابتلاء لينظر كيف زهده في فضول حاجته، و كيف رغبته في الاستكثار، لأنه إذا ملك الشيء فكأنه قد كان له فيعلم الآن بمعرفته أنّ هذا ابتلاء من الله، و فيه حكمان، أحدهما أن يأخذه في العلانية و يخرجه في السرّ إلى من هو أحوج إليه منه، هذا طريق الأقوياء، و من أشد الأشياء على النفس و هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه و سلم عمر و غيره،