قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٥ - ذكر حكم من لا معلوم له من الأسباب
كان فقيرا و ملك شيئا فأخرجه كان في ميزانه، و منها موافقة السنّة في أنه قد أمر بأخذه أو دفعه إلى من هو أحوج إليه منه، و منها إنّ أخذ هذا في العلانية من الناس و ردّه في السرّ إلى الله تعالى كبيرة على النفوس إلّا على الخاشعين لأنّ النفس تسقط في منزلتها، ثم لا ينال به سعتها فلا يصبر على هذا إلّا الموقنون، و هذا مقام الزاهدين في النفس، و هو حال أغنياء الفقراء، و علماء الزهاد، و هم أهل الطبقة العليا الذين قدمنا ذكرهم: و الوجهان الآخران من العطاء هو الرفق و صورته أن يأتيه الرزق عند حاجته أو مع شهوته للشيء الذي لا يقدر عليه، فيعلم الله ذلك منه فيبعث به إليه من غير طمع في خلق، أو يأتيه ما يصلح أن يشتريه ليرتفق بمنافعه. فهذا النوع من العطاء رفق الله سبحانه، الأفضل للعبد أن يأخذه و ربما خيف من ردّ مثل هذا عقوبة من زوال عقل أو رد إلى غلبة طبع أو ابتلاء بطمع خلق أو دخول في دنيء من مكسب. و قال بعض العلماء: من أعطى و لم يأخذ سأل و لم يعط، و هذا من النوع الذي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة في التقوى و البرّ المأمور بهما، و لا يضرّ هذا العطاء آخذه، و قد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئا فيرده فقال له سري: يا أحمد احذر آفة الردّ فإنها أشدّ من آفة الأخذ. فقال له أحمد: أعد علي ما قلت فأعاده. فقال أحمد: ما رددت عليك إلّا لأن عندي قوت شهر فاحبسه لي عندك، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إليّ، و الرابع من العطاء هو المعونة، و هذا يكون مخصوصا لأهله هو أن يكون في خلق هذا الفقير البذل و الإفضال و في غريزته السخاء و الاتساع من إطعام الطعام و إيثار الفقراء، فلا يتسع لذلك حاله و تضيق عنه يده فيبعث الله إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده، و ينفذ له من المعروف و البرّ عادته، و يعنيه على خلقه و مروءته، فهذا النوع من العطاء هو الاختبار عند العارفين و الأفضل أخذه و إمضاؤه في سبله من المروءات و الأخلاق، و هذا كان طريقة كثير من السلف، و قد غلط في هذا الطريق قوم لم يكن لهم زهد و قد كانت فيهم رغبة و همم دنيئة، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء لنفوسهم و تملكوه و استأثروا به و زعموا أنّ هذا هو الاختبار، فخالفوا السلف في معرفة الابتلاء من الاختبار لأن هذا عند العارفين، إذا لم ينفذ و يؤثر به ابتلاء و وافقوا أهواءهم في التوسع منه و التكثر به، و تملكوه بالدعوى فأخطئوا في العلم لإحالة المعنى و غلطوا في طريق الحال لوجود الهوى. و قد كان بعض القاعدين من الصادقين يدان على الله لحسن ظنه به، فإذا رزقه قضاه، فإن مات هذا على هذه النية فلا تبعة عليه فيه في دينه، على مولاه قضاؤه، و أن