قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٣ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
أن إنسانا يتصدق بزبيب. فسألته فقال: هات كفك فقلت: إني رجل من العرب و لا آخذ في كفي فاجعله لي في شيء، قال فجعله في كيل ثم ناولنيه، فلما فرغته رددته إليه، فكانت فيه عزة نفس. لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له: أنت رجل فيك جاهلية فقال: على ما أنا عليه من كبر السن؟ قال: نعم. و كان قد خاصم رجلا فأرى عليه تعززا، و إنما نبهنا ببعض ما ذكرناه له: العقول المستيقظة و حركنا بما بيّنا القلوب الحية، ليحيا من حي عن بينة بذكر أوصاف الصادقين و طرقات المخلصين ليستدل على الكثير باليسير. و قد كان شاهد من شهود بسطام عظيم القدر فيهم لا يفارق مجلس أبي يزيد فقال له يوما: يا أبا يزيد، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر، و أقوم الليل لا أنام و لا أجد في قلبي شيئا من هذا العلم الذي تذكر، و أنا أصدق به و أحبه. فقال له أبو يزيد: لو صمت ثلاثمائة سنة و قمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة. قال: و لم؟ لأنك محجوب بنفسك. قال: أ فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعلمه قال: لا تقبل. قال: فاذكره لي. قال: اذهب الساعة إلى المزين و احلق رأسك و لحيتك، و انزع هذا اللباس و اتزر بعباءة و علق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا، و اجمع الصبيان حولك و قل: كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، و ادخل الأسواق كلها عند الشهود و عند من يعرفك و أنت على ذلك. فقال الرجل: سبحان الله تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك سبحان الله شرك قال: كيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها قال: هذا لا أفعله، و لكن دلني على غيره قال: ابتدئ بهذا قبل كل شيء فقال: لا أطيقه فقال: قد قلت لك إنك لا تقبل. فهذا لما قال سبحان الله كان مشركا عنده لأنه سبحه برسم النفس. و قد كان أبو يزيد يقول: سبحاني ما أعظم شأني و هو موحد لأنه وحد بأولية بدت. و هذا الذي ذكره دواء من اعتلّ بنظره إلى نفسه، ثم سقم بنظر الناس إليه لزمه سد نظره إلى نظرهم. ليس لها من دون الله كاشفة إلا أن هذا من طبّ المجانين، يصلح لضعفاء اليقين. و لو أدخل الطبيب الأعلى ذرة من عين اليقين، أخرج بها من قلبه كل نظرة فاستراح من كل دواء. و لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بيّنة بشواهد الحق، و يحيا من حي عن بينة بشاهد الحق. و يتلوه شاهد منه فلا تنكرنّ من جميع ما ذكرناه شيئا، فتخسر أقل أنصبة المؤمنين من علم القدرة و اليقين، لأن للمؤمنين أنصبة من هذا العلم، منها المشاهدة لما وصفناه، و الإدراك لما رمزناه، و منها الوجد و الحال، و منها المعاملة، و المنازلة، و منها الذوق و الشمّ، منه و آخرها التصديق و القبول. فأقل النصيب من علم المعرفة إن لم يشهد فلا يجحد، و إن لم يعرف فليتعرّف، و يكون معقله التسليم و ليس