قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٧ - ذكر أخبار جاءت في الآثار رويناها منثورة في الأطعمة و الأكل من بين نقص و فضل
و المعلوم، فكان إخوانهم معلومهم، و لم يكن هؤلاء يكتسبون و لا يدّخرون، و كان لإخوانهم فيهم نية صالحة يسألونهم ذلك و يقسمون عليهم فيه و يرونه من أفضل أعمالهم، و كان هؤلاء للإنصاف يكرمون إخوانهم بإجابتهم و كونهم عندهم، و لم يكن سعيد بن أبي عروبة يعرض على إخوانه الطعام، و لكنه كان يظهره و يعرض به فكان اللحم مسلوخا مصلقا و الخبز موجودا ظاهرا. و كذلك كان يفعل بالثياب و الأثاث، كان جميع ما في منزله مظهرا مسبلا، فكل من دخل عليه من إخوانه إن شاء قطع من المسلوخ فشوى و طبخ، و إن شاء أكل من الخبز بما وجد من الأدم. و من شاء لبس من الثياب ما شاء فكان ذلك مشاعا في منزله لمن أراد تناوله، و منهم من كان منقطعا في منزل أخيه قد أفرده بمكان يقوم بكفايته و لا يبرح من منزله على الدوام يحكم فيه و يتحكم كما يكون في منزل نفسه. و قال بعض العلماء: أكلتان لا يحاسب العبد عليهما: ما أكله في سحوره و ما أكله عند إخوانه إكراما لهم بذلك. و من أكل عند قوم فليقل عند فراغه أفطر عندك الصائمون و أكل طعامكم الأبرار و صلّت عليكم الملائكة و قد روينا أيضا: أن يقول عليكم صلاة قوم أبرار ليسوا بآثمين و لا فجّار يصلّون الليل و يصومون النهار فقد كان الصحابة يقولون ذلك. ذكر غسل اليد ليس كل أحد يحسن أدب الغسل كما ليس كل إنسان يعرف سنّة الأكل. فمن غسل يده بأشنان ابتدأ بغسل أصابعه الثلاث أوّلا. ثم جعل الأشنان في راحته اليسرى يابسا، ثم أمره على شفتيه جسّا و أنعم غسل فيه بإصبعيه و ظاهر أسنانه و باطنه و حنكه و لسانه، ثم غسل أصابعه من ذلك بالماء، ثم ذلك ببقية الأشنان اليابس أصابعه و ظهرا و بطنا، ثم لم يدخل الأشنان ثانيا إلى فيه لئلا يعود بالغمر إليه من يديه، و هذا يكفيه من تثنية الغسل، و من غسل يد إخوانه بعد أكلهم من طعامه فمن الأدب أن يصبّ على أيدهم بالماء العذب، فبمثل هذه اللطيفة و نحوها يعرف حسن تفقد الدعاة و ليستبين تعاهد الرعاة كأنّ بعضهم يقول: يدعو الرجل إخوان ينفق في الطيّبات جملة و يحليهم بعدها بالحلاوة، ثم يمرر أفواههم بالماء الملح، فهذا يكون من نقص التعاهد و قلة التفقد. ذكر أخبار جاءت في الآثار رويناها منثورة في الأطعمة و الأكل من بين نقص و فضل هي من طرائق السلف و صنائع العرب أدخلناها في تضاعيف كلامنا لأنها منقولة من كلام القدماء من حديث إسحاق بن نجيح عن عطاء بن ميسرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة و عوفي في ولده. و في خبر سعيد بن لقمان عن عبد الرحمن الأنصاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: الأكل في السوق دناءة هذا غريب مسند أو ليس بذاك الصحيح أنه من قول