قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٥ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
و هذا محبة خصوص. و كذلك في المحبة مقامان، مقام محبّ و أعلى منه مقام محبوب، و هذا كما عبروا عن قولهم مريد و مراد. و على الحقيقة كل مريد للَّه فهو مراد بذلك، إلا أنهم جعلوا اسم مراد بوصف مخصوص بعرف به فيمتاز معه المبتدئ من المبادئ، و المنيب من المجتبي، و الطالب من المطلوب، و الراغب من المرغوب، و الحافظ من المحفوظ. فكذلك لعمري ليس الحامل مثل المحمول، و لا الزائر كالمزور و لا الاشتياق كالحضور، و لا المحبّ مثل المحبوب. قال أبو موسى الدبيلي: عرضت على أبي يزيد البسطامي كتاب صاحبنا عبد الرحيم في الإخلاص فما أعجبه منه إلّا حكاية أبي عاصم الشامي في الشوق، يعني أنّ عبد الرحيم ذكر الإخلاص في كتابه فقال: قيل لأبي عاصم وافد أهل الشام يشتاق إلى الله. فقال: لا. قيل: و لم؟ قال: إنما يشتاق إلى غائب، فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق؟ قلت: سقط الشوق، و هذا مقام محبوب، و في المشاهدة مقامان؟ مقام شوق و مقام أنس، فالشوق حال من القلق و الانزعاج عن مطالعة العزة و معاينة الأوصاف من وراء حجاب الغيب بخفايا الألطاف، و في هذا المقام الحزن و الانكسار، و الأنس حال من القرب عن مكاشفة الحضور بلطائف القدرة، ففي هذا المقام السرور و الاستبشار. و قال ضيغم: عجيب للخليقة كيف أرادت بك بدلا، و عجبت لها كيف أنست بسواك، و قال الجنيد: علامة كمال الحبّ دوام ذكره في القلب بالفرح و السرور و الشوق إليه و الأنس به، و أثرة محبة نفسه، و الرضا بكل ما يصنع و علامة أنسه باللَّه استلذاذ الخلوة، و حلاوة المناجاة، و استفراغ كله حتى لا يكاد يعقل الدنيا و ما فيها، و لا يحمل هذا على الأنس بالخلق، فيرتب على مدارج المعقول، كما لا يحمل المحبة على محبة الخلق فيكون بمعاني العقول، لأنّه حال منها، أو إنما هو طمأنينة و سكون إليه، و وجد حلاوة منه، و استراحة و روح بما أوجدهم. و قد أنكر الأنس من لا مقام له فيه، كما أنكر المحبة أيضا من لا معرفة له بها لأنه تخيّل فيه محبة المخلوق، و تمثل لها صفاتهم. فقال: لا يعرف المحبة و لا يعقلها إلّا لمخلوق و ليس إلا الخوف و الهيبة. و ممن ذهب إلى هذا القول: أحمد بن غالب المعروف بغلام خليل، أنكر على الجنيد و أبي سعيد و الثوري كلامهم في المحبة، و ليس هذا مذهب السلف و لا طريقة العارفين. كتب عامر بن عبد الله إلى بعض إخوانه: آنسك الله بنفسه. و قيل لإبراهيم بن أدهم و قد نزل من الجبل: من أين أقبلت؟ قال: من الأنس باللَّه و أنشدونا لبعض العارفين: الأنس باللَّه لا يحويه بطال و ليس يدركه بالحول محتال و الآنسون رجال كلهم نجب و كلهم صفوة للَّه عمال