قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢٣ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
و في معنى قوله عزّ و جلّ: لا تُخْرِجُوهُنَّ من بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق: ١]. قال ابن مسعود: إذا بدت على أهلها و آذت زوجها فهو فاحشة، و هذا يعني به في العدة لأن الله يقول: أَسْكِنُوهُنَّ من حَيْثُ سَكَنْتُمْ من/ وُجْدِكُمْ [الطلاق: ٦]. فهو متصل بقوله: وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ و لا تُخْرِجُوهُنَّ من بُيُوتِهِنَّ [الطلاق: ١]. أي في العدة، و من الناس من يظن أنّ الطلاق محظور يتأول هذه الآية على غير تأويلها، فالطلاق مباح إلّا أنه مكروه بغير سب لتفرقه الألفة. و قد يروى في خبر: ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق، و لا بأس أن تفتدي المرأة من زوجها إذا خافت أن لا تقيم حدود الله فيه و لا تقوم بواجب حقوقه عليها، و أكره أن يأخذ في الفدية أكثر مما أعطاها. و قد قال الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ الله فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ به [البقرة: ٢٢٩]. و هذا هو الخلع الجائز عند أكثر العلماء، و لا يحل لامرأة أن تسأل زوجها طلاقها و لا أن تختلع منه بغير رضاه. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس لم ترح رائحة الجنة، و قال: المختلعات هن المنافقات و النشوز، قد يكون من الزوجين معا إلّا أنه أبيح للزوج ضربها في النشوز و أبيح لها الصلح في نشوز الزوج قال الله عزّ و جلّ: وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]. و أصل النشوز أن يعلو أحدهما على صاحبه و يرتفع عنه، كان يجفو عليه و يجتنبه فيكون في نحو غير نحوه، فيكون من هذا الكلام الفاحش و يكون منه الأذى و يكون منه الهجر و الانفراد، و يحكم الحكمان في هذا أحدهما من أهله و الآخر من أهلها، يعدلون و ينظرون فيما بينهما. و قد وعد الله عزّ و جلّ الغني مع الفرقة كما وعده مع النكاح فقال: وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ الله كُلًّا من سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠]. كما قال: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ من عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ الله من فَضْلِهِ [النور: ٣٢]. فقد يكون الغني بالمال و يكون بأن يستغني كل واحد منهما عن صاحبه بما خصه الله عزّ و جلّ من خفي لطفه. و جاء في خبر: ثلاث لا يستجاب دعوتهم: رجل له امرأة سوء يقول أراحني الله منك و قد جعل الله الطلاق بيده إن شاء طلق، و الآخر في المملوك السوء، و جار السوء، و ليحسن الرجل عشرة أهله و القيام بهن. فقد قال الله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء: ٣٤]. أي لا تطلبوا طريقا إلى الفرقة و لا إلى خصومة و مكروه، و هذه حينئذ على صورة الأنفس المطمئنة إذا استجابت للإيمان و طوعت لك إلى أخلاق المؤمنين فتولها من الإرفاق و أرفق بها في منالها من المباح. و قد شبه الله عزّ و جلّ حسن القيام على الزوجة بحسن القيام على الوالدين فقال فيهما: وَ صاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفاً