قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٧ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
[الرعد: ٣٨]. فعدّ الأزواج و الذرية من مدحهم و ذكرها في وصفهم، و كذلك ألحق بهم أولياءه في المدح و الفضل في قوله عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا من أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان: ٧٤]. فسألوا الله عزّ و جلّ من فضله، و كل ما ذكرناه من فضل النكاح يشترك في فضل ذلك النساء، بل هو لهن أفضل و أثوب لسقوط المكاسب عنهن. و قد أمر النبي صلى الله عليه و سلم المرأة بالتزوج و ندبها إليه، و أخبر بفضل الرجل و فضل المتزوجة على العزباء في غير حديث، و قال صلى الله عليه و سلم: لعن الله المتبتلين من الرجال الذين يقولون: لا نتزوج، لعن الله المتبتلات من النساء اللاتي يقلن: لا نتزوج بعد ما ذكر من عظيم حق الرجل على المرأة و ثقل واجبه حتى قالت المرأة إذ لا أتزوج إذا قال: بل تزوجي، فهو خير. و الأخبار في فضل النكاح للزوجين معا أكثر، و ليس مذهبنا الإطالة و الإكثار في الجمع. و قد ندب الله تعالى إلى النكاح في قوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣]. و في أنّي ثلاث، معان: معنيان منها هنا يكون أنّى بمعنى كيف شئتم من ليل أو نهار، فكيف شئتم مقبلة أو مدبرة. و بين ذلك بعد أن يكون في موضع الحرث، و قد يكون أنّى في موضع آخر بمعنى أين، و لا يصلح هذا الوجه هاهنا ثم قال عزّ و جلّ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٢٣]. قيل: النكاح معطوف به الإتيان، و هو أحد الوجوه الثلاثة: لما فيه من فضل الاغتسال من الجنابة، و لما فيه من فضل مباشرة المرأة و أنّ المرأة إذا لاعبها بعلها و قبلها كثرت له من الحسنات ما شاء الله، فإذا اغتسلا خلق الله من كل قطرة ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة، و جعل ثواب ذلك لهما، و لما في ذلك من التحصين لهما و وضع النطفة في محلها، و في ذلك فضائل جمّة، و قد أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله: ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا و لسانا ذاكرا، زوجة مؤمنة تعينه على آخرته. و الوجه الثاني في قوله تعالى: وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٢٣]. قيل: الولد قدموا لآخرتكم، لأنه عمل من أعمالكم. كما قال عزّ و جلّ: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ من عَمَلِهِمْ من شَيْءٍ [الطور: ٢١]. أي ما نقصناهم أولادهم، أي جازيناهم بهم و جعلناهم مزيدا في حسناتهم لأنهم من أعمالهم و أكسابهم، و كما قال عزّ و جلّ: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَبَ [المسد: ٢]. يعني ولده، ففي تدبره أنّ الولد يغني المؤمن في الآخرة كما يغني المال عنه إذا أنفقه في سبيل الله تعالى. و في الخبر: ولد الرجل من كسبه فأحل ما أكل من كسب ولده، و الوجه الثالث في قوله عزّ و جلّ: وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٢٣]. قيل التسمية عند الجماع أي اذكروا اسم الله تعالى عنده، فذلك تقدمة لكم، و أنه يستحب للمجامع أن يسمي الله عزّ و جلّ عند جماعة، و يقرأ