قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٩٠
الفرات قيل: و أنت يا أبا سفيان من أين تأكل؟ قال: آكل من رزق الله و أرجو عفو الله، و قد كان بشر بن الحارث من المتقدمين، سئل عن الحلال قيل له: من أين تأكل يا أبا نصر؟ فقال: من حيث تأكلون، و ليس من يأكل و هو يبكي كمن يأكل و هو يضحك. و قال مرة أخرى في رواية عنه: و لكن يد أقصر من يد و لقمة أصغر من لقمة. و سأله رجل عمّا لا يسكر من النبيذ فقال: انظر في الدرهم الذي تشتري به التمر من أين هو؟ فإن كان حلالا و إلّا هلكت دع عنك ما لا يسكر. و قد كان سري السقطي يتحرى في أكل الحلال و لم يكن يأكل إلّا من حيث يعرف، و كان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أثنى عليه و قال: تعنون ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء، و كان يقول: لا يقوى على ترك الشبهات إلّا من ترك الشهوات، و يقال إنّ بشر بن الحارث كان يأكل من قبله، و ذكر لنا أنّ سريا السقطي وقف على بشر و هو يتكلم فاطلع في حلقته و قال: يا بشر، لعل بدانقين تلبسها و تستريح من هذا الاسم: يعني قولهم بشر الحافي. فسكت بشر، فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا: يا أبا نصر، إنه لم يرد إلّا خيرا فقال: سبحان الله، هو سري كما سري، و كان سري رحمه الله قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي الله عنه بمال فرده، فجاء سري فكلمه بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه و لم يكن بعد ذلك يرد عليه شيئا. و حدثونا عنه أنه قال: انتهيت ذات يوم في سفر إلى نبات من الأرض و عند غدير ماء. قال: و كنت جائعا فأكلت من الحشيش، و شربت من ذلك الماء بكفي، ثم استندت على ظهري، ثم خطر ببالي أني إن كنت أكلت حلالا فاليوم، فهتف بي هاتف يقول: يا سري زعمت أنك أكلت حلالا، فالقوّة التي بلغتك إلى هاهنا من أين هي؟ قال: فاستغفرت الله تعالى مما كان وقع في قلبي، و كان شقيق البلخي رحمه الله يقول: إنّ المكاسب اليوم قد فسدت، و إنّ التجارات و الصناعات شبهات كلها، لا يحل الاستكثار و الادخار منهما لوجود الغش و عدم النصح، قال: و إنما ينبغي للمسلمين أن يدخلوا فيها ضرورة، و قال: الناس كقتلة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، لأنهم أعانوا على إماتة السنن، و درس طرق الأنبياء، و من أبطل سنن نبي فكأنما قتله هذا بقوله في سنة سبعين و مائة، فإذا كان الأمر أيها المسلم الموقن بتوحيد الله و وعيده، على هذا عند العلماء من السلف و الأخيار من الخلف، في ذلك الوقت، فكيف بوقتك هذا؟ و قد افترض عليك الزهد في الدنيا، و قد وجب عليك الأخذ بالبلغة. مما لا بد منه من كل شيء. فإن استكثرت أو جمعت من مثل هذه الأشياء كان ذلك معصية. و كل ما يظهره الله عزّ و جلّ لك من غير الأمور و بديهات