قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١ - ذكر التكسب و التصرف في المعايش
على قدر المقام، و لكن لا يكون مقاما يرفع به و لا حالا يفضل فيه، إلا أنّ الطمع في الخلق و تشتت القلب مع وجود معلوم الكفاءة نقصان عند الكل و عندي، و قطع الطمع في الخلق و اجتماع القلب مع العدم أفضل و أعلى درجة عند الجماعة. و في حديث حية و سوار ابني خالد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهما: لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما، فإنّ ابن آدم تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله بعد. و قال صلى الله عليه و سلم: للرجل الذي ناوله التمرة لو لم تأتها لأتتك. و يقال إنّ العبد لو هرب من رزقه لأدركه كما لو هرب من الموت لأدركه الموت، و أنّ الرزق لا ينقطع عن العبد حتى يظهر له ملك الموت، فحينئذ ينقطع عنه رزق الدنيا و يدخل في رزق الآخرة، فيكون أوّل رزق الآخرة آخر رزق الدنيا و لا آخر لهذا الرزق. و قال سهل بن عبد الله الدستوائي: لو أن العبد سأل الله أن لا يرزقه لم يستجب له و لقال له: يا جاهل، أنا خلقتك و لا بدّ من أن أرزقك أبدا. و قال و قد سئل عن القوت فقال: هو الحي الذي لا يموت فقيل: إنما سألتك عن القوام، فقال: القوام هو العلم، قيل: سألناك عن الغذاء، فقال: الغذاء هو الذكر، قيل: سألناك عن طعمة الجسد، فقال: مالك و للجسد، دع من تولاه أولا يتولاه آخرا، إذا دخل عليه علّة فرده إلى صانعه، أما رأيت الصنعة إذا عابت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها. و قال الخواصّ و قد روينا عن سهل: إنّ الله تعالى يلقي على الخصوص الفاقة و يحوجهم إلى الخلق بالطمع فيهم، و يلقي في قلوب الخلق المنع لهم فيحرمهم ما في أيديهم ليردهم إليه فإذا رجعوا إليه آيسين منقادين رزقهم من حيث لا يحتسبون، و من علامة الخصوص أنهم إذا استشرفوا إلى شيء حرموا ذلك الشيء و إذا سكنوا إلى عبد سلّط عليهم ليرفع سكونهم إليه. و قد كان بعضهم إذا جاءه السبب بعد تطلع إليه ردّه، و منهم من كان يخرجه و لا يتناول منه عقوبة لنفسه. و كان ذو النون المصري يتكلم على إخوانه في علم التوحيد و المعرفة فسأله غلام شاب عن الخبز: من أين هو؟ فقال: خذوا بيده و اذهبوا به إلى الصوفية حتى يعلّموه الأدب. و قد حكي عن معروف أبي محفوظ الكرخي أنه ذكر له انقباض بشر عن الأسباب التي تفتتح له فقال: إنّ أخي بشرا قبضه الورع، و أنا نشطتني المعرفة، إلّا أن معروفا كان لا يأخذ السبب إلا عند الحاجة، و يأخذ منه ما لا بدّ له منه، و كان لا يدّخر، و كان قصير الأمل لم يكن يأمل البقاء من وقت صلاة إلى صلاة أخرى، كان إذا صلى الظهر يقول للجيران: اطلبوا؟ لكم من يصلّي صلاة العصر، و كان يقول: إنما أنا ضيف في دار مولاي إن أطعمني أكلت متى أطعمني، و إن أجاعني صبرت حتى يطعمني. و قد كان أبو محمد سهل يقول: المتوكل لا يسأل و لا يرد و لا يحتكر.