قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٥٧ - ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت
ماله، فقال: ما كانت لتعود إليّ بعد إذ خرجت هي لكم، فقلنا: لا حاجة لنا فيها فقال: خذوها، قال: فأبينا، فقال: يا بني، و دعا ابنا له و جعل يصرّها صررا و يبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها، و هذا كانت نيته إخراجها للَّه سبحانه فلم يعد فيما أخرجه. كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعدّ درهما لفقير فلم يصادفه: إنّا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين. و قد رأينا من كان بهذا الوصف و هذا طريق قد عفا أثره و درس خبره، فمن عمل به فقد أحياه و أظهره و قد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء. ذكر بيان آخر من أحكام المتوكّل اعلم أنّ التوكّل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد و لا إيثاره بها و لا حفظها عليه، و لا يقدم شيئا عن شيء و لا يؤخّره لصلاح دنيا أو اختيار عبد، بل هو إلى الإذهاب و الإتلاف أقرب لأن التوكّل قرين الزهد. هكذا هو عند الخصوص و لأجل اختيار العبد و تحقيق صدقه محنة له، و لأجل من نفى الشيء من الدنيا. قال الله سبحانه و تعالى: فَما أُوتِيتُمْ من شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ [الشورى: ٣٦]. فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي، كان صادقا في توكله، و هذه أحوال المتوكلين في التوكّل إن كانوا صادقين، و إن عجز و اضطرب كان كاذبا في توهّمه للتوكّل و يلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من مجاهداتها و نفي الآفات في سائر الأعمال. فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذلك و ستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك، و جعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله و يسكن به قلبه في طريقه، و هذا مقام الضعفاء. و إن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء، الأمثل فالأمثل بالأنبياء، و لو لا الامتحان لكثر الصادقون و كذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب العوافي و لا يعجلها، و لا ينقص من الأمراض و لا يذهبها، بل هو إلى الازدياد منها أقرب للتمحيص و الابتلاء. و منه قوله عزّ و جلّ: وَ لِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ [آل عمران: ١٤١]. فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس و المال نعمة توجب عليه الشكر، و يرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها، فما فاته من جهة النعمة، و ترك الشكر، أعظم مما يترك من جميع الدنيا، و أخاف عليه لطيفة من المحق، و المحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى: و يمحق الكافرين فاللَّه أعلم أي شيء يمحقه و ينقصه، بمقدار ما كفر شكر نعمته. و قد قال سبحانه: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ من الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ من الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٥]. فهذا النقص من