قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥٢ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
سيرين شاة له فقال للمشتري: أبرأ إليك من عيب فيها قال: و ما هو: قال: تقلب العلف برجلها. و باع الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري إنها قد تنخمت مرة عندنا دما، و يبين دقائق الإعلام و البيان في ذلك مما لا يعلمه المشتري أو المستعمل، فهو من النصح و الصدق، و ذلك يكون عن التقوى و الورع في البياعات و الإجارات و يكون الكسب عن ذلك أحلّ و أطيب فليجتنب المسلم محرم ذلك كله و كل مكروه، فهذه سيرة السلف و طريقة صالحي الخلف. و أستحب له أن يتوخى في الشراء و البيع، و يتحرى أهل التقوى و الدين، و يسأل عمن يريد أن يبايعه و يشاريه و أكره له معاملة من لا يرغب عن الحرام أو من الغالب على ماله الشبهات. و حدثت عن محمد بن شيبة أخت ابن المبارك قال: كتب غلام ابن المبارك إليه: أنّا نبايع أقواما يبايعون السلطان، فكتب إليه ابن المبارك إذا كان الرجل يبايع السلطان و غيره فبايعه، و إذا قضاك شيئا فاقبض منه إلّا أن يقضيك شيئا تعرفه بعينه حراما فلا تأخذه و إذا كان لا يبايع إلّا السلطان فلا تبايعه. و حدثنا عن بعض الشيوخ عن شيخ له من الخلف الصالح قال: قال أتى على الناس زمان كان الرجل يأتي إلى مشيخة الأسواق فيقول: من ترون لي أن أعامل من الناس من أهل الصدق و الوفاء؟ فيقال له: عامل من شئت. ثم أتى عليهم وقت آخر فكان الرجل يقول: ترون لي أن أعامل من الناس؟ فيقال: عامل من شئت إلّا فلانا و فلانا قال: و نحن في زمن إذا قيل لنا: من نعامل من الناس؟ فيقال: عامل فلان بن فلان و أخشى أن يأتي على الناس زمان يذهب فلان بن فلان أيضا، و لا يحلف و لا يكذب و لا يخلف موعدا، فإنّ اليمين الكاذبة ممحقة للكسب. و قد قيل: ويل للتاجر من يقول: لا و الله، و بلى و الله. و ويل للصانع من اليوم و غد و بعد غد. أبو عمرو الشيباني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، عبد متكبر و منّان بعطيته و منفق سلعته بيمينه، و لا يمدح إذا باع أو صنع صنعة و لا يذم إذا اشترى أو استعمل صانعا، فإنّ هذا لا يزيد في رزقه و لا ينقص منه تركه. و هذا من اليقين في الرزق في هذا الباب، و فعله يزيد في الذنوب فينقص من الدين. و على الصانع أن يبلغ غاية النصح في صنعته لمستعمله لأنه أعرف بصلاح صنعته و فسادها و بسرعة فناء الصنعة و كثرة بقائها، فينبغي أن يتقن نهاية علم الصانع بصلاح الصنعة و حسن بقائها مع نهاية بغية مستعمله من تجويدها و أحكامها، و يتّقي من فساد يسرع إلى فنائها ما لا يفطن له مستعمله. فإذا فعل الصانع و التاجر ذلك كانا قد عملا بعملهما و سلما من المطالبة و المساءلة عنه، و إلّا فهما يسألان فيقال لهما: ما ذا عملتم