قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٥ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
سيّان، فلتكن نيته إقامة سنّة و صلاح قلب، و سلامة دينه و غض بصره، و تحصين فرجه فقد أمر بذلك، و يحتسب في الكسب على العيال التوبة من الله عزّ و جلّ، و يحتسب مثل ذلك في نصحه لها في أمر الآخرة كما يحبه لنفسه، حتى يؤجر بسببها مثل ما يثاب لنفسه، فهو من النصيحة لها و الإشفاق عليها، و ليجعل ذلك لوجه الله سبحانه فقد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم: ما أنفق الرجل على أهله فهو له صدقة، و إنّ الرجل ليؤجر في رفع اللقمة إليّ في امرأته، و منها أنه كالمجاهد في سبيل الله. و قال رجل لبعض العلماء و هو يعدد نعم الله عزّ و جلّ عليه: من كل عمل قد أعطاني الله تعالى نصيبا، حتى ذكر الحج و الجهاد و صنوف العبادات فقال له العالم: فأين أنت من عمل الأبدال قال: و ما هو قال: كسب الحلال و النفقة على العيال. و قال ابن المبارك لإخوانه و هم في الجهاد: تعلمون عملا أفضل مما نحن فيه قالوا: ما نعلم، ذاك جهاد في سبيل الله و قتال لأعدائه، أيّ شيء أفضل منه قال: لكني أعلم قالوا: ما هو قال: رجل متعفف ذو عيلة، قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياما متكشفين فسترهم و غطاهم بثوبه، فعمله هذا أفضل من جهادنا في سبيل الله عزّ و جلّ و قال رجل لبشر: قد أضرّني الفقر و العيال فادع الله لي فقال له بشر: إذا قال لك عيالك: ليس عندنا خبز و لا دقيق و نحن جياع فادع الله لي أنت ذلك الوقت، فإن دعاءك أفضل من دعائي. و قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم: من حسنت صلاته و كثر عياله، و قلّ ما له و لم يغتب المسلمين، فهو معي في الجنة كهاتين. و في حديث آخر: أنّ الله تعالى يحب الفقير المتعفف، أبا العيال و من النية في ذلك أنّ الاهتمام بمصلحتهم، و الغم على نوائبهم زيادة في حسناتهم، لأنه عمل من أعماله. و في الخبر: إذا كثرت ذنوب العبد ابتلاه الله تعالى بالهم ليكفرها، و قال بعض السلف: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلّا الغم بالعيال. و قد روينا: أنّ من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلّا الهم بطلب المعاش، و له في الصبر عليهن و جميل الاحتمال لأذاهن، و في حسن العشرة لهن مثوبات و أعمال الصالحات، و ربما كان موت العيال عقوبة للعبد و نقصان حظ، إذا كان الصبر عليم و الإنفاق مقاما له كان عدم ذلك مفارقة لحاله نقص به. و حدثنا بعض العلماء: أنّ بعض المتعبدين كان له زوجة، و كان حسن القيام عليها إلى أن توفيت، فعرض عليه إخوانه التزويج فامتنع و قال: إنّ الوحدة أروح لقلبي و أجمع لهمي قال: فرأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها، كأن أبواب السماء قد فتحت، و كان رجالا ينزلون و يسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا، و كلما نزل واحد نظر إلى فقال: لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول: نعم و يقول الثالث: لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول الرابع: نعم قال: فراعني