قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٤ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
عدلا: من صبر على الشدة فالتزويج له أفضل، و الوحيد يجد من حلاوة العمل و فراغ القلب ما لا يجد المتأهل، و قال مرة: ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوّج و ثبت على مرتبته الأولى. و روينا عنه أنه قال: ثلاث من طلبهن فقد رغب في الدنيا، من طلب معاشا، أو تزوّج أو كتب الحديث. و لعمري أنّ المرأة تحتاج إلى فضل مداراة و لطيفة من الحكمة، و طرف من المواساة و باب من الملاطفة، و اتساع صدر للنفقة و حسن خلق، و لطف لفظ و هو لا يحسنه إلّا عالم حليم، و لا يقوم به إلّا عارف حكيم، فمن لم يقم بذلك و لم يهتد إليه، و لم يعتد للنفقة و لم يألف الجماعة، و كان قد ألف وحدته و اعتاد الانفراد بأكلته، و كان ضيق القلب بخيل الكف، سيّئ الخلق غليظ القلب، فظ اللفظ فالوحدة لهذا أصلح، و البعد من النساء لقلبه أروح، فمتى تزوّج من هذا وصفه عذب و عذب، و آذى و تآذى، و أثم و آثم به لأن النساء يحتجن إلى فضل حلم يحمل سفههن، و إلى سعة علم يغمر جهلهن، و إلى حسن لطف و حكمة يداري أخلاقهن و يتغافل عن زللهن، فإذا كان الرجل جاهلا سفيها، أو كان سيّئ الخلق فظا غليظا، اجتمع الجهل فافترق العقل و تقادح الجفاء، و غلظ القلب و الأذى فسد أكثر مما يصلح، و تنافرا و لم يكن بينهما أبدا صلح، و ليس هو وصف العقلاء، و استحب للرجل إذا أراد التزويج أن يشرح حاله و يبين أخلاقه للمرأة، حتى تكون على بصيرة من أمره و يقين من حاله، و يدخل على اختيار منها، فذلك من الورع و قد فعله بعض السلف. و قد تزوج رجل على عهد عمر رضي الله عنه، و كان يخضب بالسواد فلما دخل بامرأته نصل خضابه فظهرت شيبته، فاستعدى أهل المرأة و قالوا: نحن حسبناه شابا فأوجعه ضربا و قال: غررت القوم و فرق بينهما. و روينا عن شعيب بن حرب، لما أراد أن يتزوج قال للمرأة: إني سيّئ الخلق فقالت: يا هذا، أسوأ خلق منك من يحوجك إلى سوء الخلق. و روي ضد هذا أنّ رجلا أراد أن يتزوج فقال للمرأة: إنّ لي أخلاقا أوقفك عليها فإن رضيت بها تزوّجتك فقالت: افعل فقال: أنا رجل ملول حقود، سيّئ الظن غيور، ضيق الصدر واسع الضرب، إن كثرت عندي مللت، و إن أبعدت قلقت، و إن تكلمت أوغرت صدري، و إن سكت أشغلت قلبي، فقالت المرأة: أما بعد فقد ذكرت من نفسك أخلاقا ما كنا نرضاها لبنات إبليس فكيف نرضاها لبنات آدم، انصرف راشدا لا حاجة لنا بك، و من خشي على نفسه الآفات و وفق له امرأة فيها بعض الخصال المحمودة، فالتزويج له أفضل فليكن له حينئذ في التزويج نيّات، لأنه من أكبر الأعمال و لا يكون نكاحه لأجل هواه مجردا فقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إذا وافق الحق الهوى فذلك الزبد بالبرّ