قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٣ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
ذلك قوله عزّ و جلّ: لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الأعراف: ١٨٩]. و هذا سكون النفس إلى الجنس لما تلائمه من الصفات المجانسة، و هو أحد المعاني في قول عليّ عليه السلام: روحوا القلوب يعني، في الذكر قيل: روحوها باستراحة النفس إلى المباح، يعني ذكر الآخرة لأن الذكر أثقال و هو بمعنى قول النبي صلى الله عليه و سلم: إنّ لكل عالم شرها و فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، و الشره المكابدة و الفترة الوقوف و الاستراحة، و قد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فأقوى بذلك فيما بعد على الحق، و قد كان النساء قديما على غير وصفهن الآن، كان الرجل إذا خرج من منزله تقول له امرأته: يا هذا و تقول له ابنته: يا أبانا، لا تكسب اليوم شيئا من غير حله فيدخلك النار، فنكون نحن سببه، فإنّا نصبر على الجوع و الضر و لا نكون عقوبة لك، و أراد رجل من السلف أن يغيب عن أهله في غزوة، فكره إخوانه ذلك لأنسهم به فجاءوا إلى أهله فقالوا: لم تتركين زوجك يسافر و لا يدع لك نفقة، و يغيب عنك و لا تدرين متى يقدم فقالت: زوجي منذ عرفته أكال و ما عرفته قط رزّاقا، يذهب الأكال و يبقى الرزّاق، و مع ذلك فلا أحب أن أكون مشئومة عليه أقطعه عن سبيل الخير. قال أحمد بن عيسى الخراز لما تزوّج بامرأة عليّ: أي شيء تزوّجت بي و رغبت في قالت: على أن أقوم بحقك عليّ و أسقط حقّي عليك. و خطبت رابعة بنت إسماعيل بن أبي الحواري، فكره ذلك لما فيه من العبادة فألحت عليه و أكثرت فقال لها: يا هذه، ما لي همة في النساء لشغلي بحالي فقالت يا هذا، إني لأشغل بحالي من شغلك بحالك، و ما لي شهوة في الرجال، و لكني ورثت عن زوجي ثلاثمائة ألف دينار و هي حلال، و أردت أن أنفقها عليك و على إخوانك، و أعرف بك الصالحين فتكون طريقا إلى الله عزّ و جلّ فقال: حتى أستأذن أستاذي قال: فجئت إلى أبي سليمان فذكرت قولها، و قد كان ينهاني عن التزويج و يقول: ما تزوج من أصحابنا إلّا تغير، فلما ذكرت له ما قالت، أدخل رأسه في جيبه و سكت ساعة، ثم رفع رأسه و قال: يا أحمد، تزوّج بها فإن هذه وليّة للَّه تعالى، و هذا كلام الصديقين قال: فتزوّجت بها قال أحمد: فكان في منزلها كرّ من جص، فلم يبق منه شيء في غسل أيدي المستعجلين للخروج بعد الأكل سوى من كان يغسل يده بالأشنان في البيت قال: و تزوّجت عليها بثلاث نسوة، فكانت تطعمني من الطيبات و تطيبني و تقول: اذهب بقوتك و نشاطك إلى أزواجك، فكانت هذه من أرباب القلوب. و كان الصوفية يسألونها عن الأحوال، و كان أحمد يرجع إليها في بعض المسائل، و كانت فاضلة تشبه في أهل الشام برابعة العدوية في أهل البصرة. و قد كان أبو سليمان يقول في التزويج قولا