قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٧ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
الحسد، و وجد التناصر، و عدم التظاهر، و سقوط التكلف، و دوام التآلف، فإذا عدمت هذه الخصال ففي وجود أضدادها تقل المباينة. و قد قيل: من سقطت كلفته دامت صحبته و ألفته، و من قلّت مئونته دامت مودته. و قال علي عليه السلام: شرّ الأصدقاء من تكلف له. و قال يونس النبي عليه السلام لما زاره إخوانه، فقدم إليهم خبز شعير و جز لهم من بقل كان زرعه و قال: لو لا أنّ الله تبارك و تعالى لعن المتكلفين لتكلفت لكم. و روينا عن نبينا صلى الله عليه و سلم: أنا و الأتقياء من أمتي براء من التكلف، فجملة التكلف هو عمل ما لا نية للعبد فيه، و دخول العبد فيما لا يعنيه و تعاطيه ما قد يكفيه و مع وجود الحسد و كمون الغل، و هو ثبوت الحقد تكون المباينة، و في التطاول و التظاهر تقع المجانبة، و مع الخبث و المكر تكون المنافرة، و هذا كله يذهب الألفة و ينقص المحبة و يبطل فضيلة الأخوة. و قال بعض أهل البيت: أثقل إخواني عليّ من أحتشمه و يحتشمني. و قال بعض السلف: كانوا لا يغتنمون و لا يحتشمون. و سئل الحسن عن الصديق الذي أكل ماله بغير إذن منه فقال: من استراحت إليه النفس و سكن إليه القلب، فإذا كان كذلك فلا إذن له في ماله. و سئل ذو النون عن الأنس فقال: أن تأنس بكل وجه صبيح و كل صوت فصيح، و الله تبارك و تعالى فيما بينك و بين ذلك، و إذا علمت أنّ أخاك يسر بأخذك من رحله و ملكه، أو علمت أنه لا يكره ذلك إن فعلته، حل لك أن تأخذه، و إن كان لم يأذن لك لأن علمك يقوم مقام إذنه، و علامة هذا منك انشراح صدرك بذلك، و خفته على قلبك، فذلك دليل على سروره به، و على قياسه من علمت من الناس أنه يكره تناولك من ماله شيئا، أو عرفته يبخل ضنانة بما في يديه، فإني أكره لك أن تأكل من ماله شيئا و إن أذن لك بعد أن تعلم أنّ الأحب إليه أن لا تأخذ، ففي الورع و إن أعطاك أن لا تقبل فإن بذله مع علمك بأمره لغو لا حقيقة له، و دليل ذلك ضيق صدرك به، و وجود الحشمة و الوحشة في القلب، فقد جاء في الأثر الإثم حواز القلب، و جاء الإثم ما حاك في صدرك، و البر حسن الخلق، و البر ما سكنت إليه النفس و اطمأن به القلب، فقد جاءت هذه الألفاظ في أحاديث متفرقة، و على ما ذكرناه أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم أكل من لحم بريرة تصدق به عليها و كانت غائبة لما علم أنه يسرها، فلم ينتظر إذنها فعلى ضد ذلك في القياس ما ذكرناه، و نظر هاشم الأوقص إلى الحسن و هو يأكل من جون لبقال، من هذه بسرة و من هذه تينة، فقال له: يا أبا سعيد، تأكل من مال الرجل بغير إذنه فقال: يا لكع، اتل عليَّ آية الأكل، ثم قرأ الحسن وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا من بُيُوتِكُمْ [النور: ٦١] إلى قوله تعالى: أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور: ٦١]. و قد كان أصحاب محمد بن واسع و فرقد السنجي يدخلون منزله فيأكلون من