قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١ - ذكر إثبات الأسباب و الأواسط لمعاني الحكمة و نفي أنها تحكم و تجعل لثبوت الحكم و القدرة
فاعلين و إلا كان شركا، لأن الفاعل الثاني المظهر الذي فعل بيده و أجرى الفعل بواسطته هو ثان و محدث، و الأوّل القديم هو الفاعل الأصلي، كما أن عندهم أن حقيقة المالك هو خالق الشيء، و من جعل في يده فهو مملك، لأنه لم يخلق ما بيده كما المجري على يده الفعل مفعول، لأن الله تعالى هو الأول القيوم بنفسه لا يستعين بغيره. و قد جعل الله أيضا بحكمته و عزته للخلقة و الحياة واسطة و هو ملك الأرحام، في الخبر أنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة في يده ثم يصوّرها جسدا فيقول يا رب أذكر أم أنثى؟ أ سويّ أم معوج؟ فيقول الله ما شاء و يصوّر الملك. و في لفظ آخر: يخلق الملك ثم ينفخ فيها الروح بالشقاوة أو بالسعادة. و يقال: إن الملك الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجساد، و يقال: إنه يتنفس بوصفه، فيكون كلّ نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم. و لذلك سمّي الروح. و قد قال الله تعالى في وصف نفسه: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: ٢٤]، كما قال الخالق. و قال تعالى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ [الملك: ٢]، و قد جعل للإحياء واسطة كما جعل للموت و هو إسرافيل صاحب الصور ينفخ في النفخة الثانية فيحيا كل ميت ثم يرفعه الله تعالى. فقال: يوم ينفخ في الصور. و وصف نفسه بأنه المحيي المميت، و في بعض الأخبار أن ملك الموت و ملك الحياة تناظرا، فقال ملك الموت: أنا أميت الأحياء. و قال ملك الحياة: أنا أحيي كل ميت. فأوحى الله إليهما كونا على عملكما و ما سخرتما له من الصنع. فأنا المميت و أنا المحيي و لا مميت و لا محيي سواي. و كذلك أيضا قيل عن الله تعالى: أنا الدليل على نفسي و لا دليل عليّ أدل مني. و لم يمنع وجود هذه الأواسط أن يكون الله سبحانه هو الأول في كل شيء. و هو الفاعل لكل شيء. وحده لا شريك له في شيء. و لم يقل أحد من المسلمين: الملك خلقني و لا عزرائيل أماتني و لا إسرافيل قد أحياني كذلك. أيضا لا يصلح أن يقول الموقن المشاهد للتوحيد. فلان أعطاني أو منعني، كما لا يقول فلان رزقني و لا فلان قدر عليّ. و إن جعل واسطة في ذلك و أجرى على يديه ذلك لأن العطاء هو الرزق و المنع هو القدر، و لا كان عندهم شركاء في أسماء الله غيره إذ كان الله هو المعطي المانع الضار النافع كما هو المحيي المميت. لا شريك له في ملكه و لا ظهير له من عباده في خلقه و رزقه، و هذا عندهم يقدح في حقيقة التوحيد للعبد و هو من الشرك الخفي الذي جاء في الأثر: الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل في الليلة المظلمة. و قال بعضهم في معنى قوله تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ