قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢ - ذكر إثبات الأسباب و الأواسط لمعاني الحكمة و نفي أنها تحكم و تجعل لثبوت الحكم و القدرة
[يوسف: ١٠٦]، قال مؤمن بالإقرار: إن الله هو المقدّر المدبّر، و مشرك في الاعتماد على الأسباب و ردّ الأفعال إليها، و من الإخلاص عند المخلصين بلا إله إلا الله، و لا معطي و لا مانع إلّا الله و لا هادي و لا مضلّ إلّا الله، كما لا إله إلا الله، هذا عندهم في قرن واحد و مشاهدة واحدة، و هو أوّل التوحيد، و إن كان قد جعل هادين و مضلين و معطين و مانعين و لكن بعد إذنه و من بعد مشيئته و حكمه. كما قال تعالى: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المؤمنون: ٧٢]، لأنه خلقهم و خلق خلقهم و رزقهم و رزق رزقهم. و كذلك هو هداهم و هدى بهم. و أضلهم و أضلّ بهم، فعن هدايته هدوا به، و عن إضلاله ضلّوا بعد إرادته، كما عن خلقه خلقوا، و من رزقه رزقوا، و كيف و قد فسر ما ذكرناه بقوله: و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني و بقوله تعالى: لَوْ هَدانَا الله لَهَدَيْناكُمْ [إبراهيم: ٢١]، و قال في مثله: فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ [الصافات: ٣٢]، فبمشاهدة ما ذكرناه يخرج العبد من الشرك الخفي و هو تحقيق قوله: لا إله إلا الله بعد التصديق، أي ليس من تأله، القلوب و تأله إليه إلا الله. ثم يقول معها: وحده لا شريك له، أي وحده في قدرته و توحيده لا شريك له في ملكه من خلقه، ثم وكّد ذلك بقوله: له الملك، أي جميع ما أظهر، و له الحمد في جميع ما أعطى و منع، يستحق الحمد كله، فهو لا يستحقه غيره، و هو على كل شيء قدير أي من الخلق و الأمر. فالقدرة كلها له و الخلق كله له يحكم في خلقه بأمره ما شاء كيف شاء. و مثل الأواسط مثل الآلة بيد الصانع. ألا ترى أنه لا يقال: الشفرة حذت النعل و لا السوط ضرب العبد، إنما يقال: الحذاء حذو النعل و فلان ضرب عبده بالسوط، و إن كانت هذه الأواسط مباشرة للأفعال إلا أنها آلة بيد صانعها. و كذلك الخليقة يباشرون الأسباب في ظاهر العيان. و الله من ورائهم محيط. القادر الفاعل بلطائف القدرة و خفايا المشيئة. ألم تر إلى قولهم: الأمير أعطاني كذا و خلق عليّ كذا؟ و إن لم يناوله بيده و لا يصلح أن يقول: خادم الأمير أعطاني لأجل أنه جرى على يده. و إن كان باشر العطاء بنفسه، إذ قد علم أن الخادم لا يملك و لا يتصرف في ملك الأمير إلا أن يسأل الإنسان: بيد من أعطاك الأمير؟ أو على يد من وجه إليك بالعطاء؟ لبغية تكون للسائل في معرفة أي عبد جاء به. فيجوز أن يقول حينئذ: بيد عبده فلان فإما أن يبتدئ المعطي من غير أن يسأل إذا أراد أن يظهر العطاء فيقول الأمير أعطاني على يد عبده فلان. فإن هذا لغو لا يحتاج إلى ذكر العبد مع ذكر الملك، لأن البغية إظهار العطاء من الملك المعطي. فلا معنى لذكر العبد الذي جرى العطاء على يده فافهم. و من ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم للرجل الذي ناوله التمرة: خذها. لو لم تأتها لأتتك، و التمرة لا تأتي، و لم يقل: لجاءك بها رجل