قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢١ - ذكر أخبار جاءت في التقلل و الحمية و ذم البطنة
آخر: الصمائخ. فقال يتاذوق: أذهب الأشياء للإعياء قضاء الحاجة. حدثت عن بعض الأطباء أنّ رجلا شرب خبث الحديد المعجون فبقي في جوفه و اشتدّ به وجعه. قال: فسحقت له قطنة مغناطيس و سقيته إياه فتعلق بالخبث و خرج مع الغائط. و روى الأصمعي عن جعفر بن سليمان قال: قال يتاذوق الفيلسوف: إنّ اللحم على اللحم يقتل السباع في البرية. قال: ثم قال أبو جعفر: قالت جارية لنا: كان لنا ظبي فمرّ بعجين قد هيّئ فأكل منه حتى حبط، و الحبط انتفاخ الجنينين فسلخ فوجد قد شرق بالدم. فقال يونس الطبيب: هكذا يصيب الإنسان إذا بشم يشرق قلبه بدمه. و قال الأصمعي عن جعفر والي البصرة إنه قال لإنسان أكول يقيء إذا أكل: لا تفعل، فإن المعدة تضغن إلى القيء كما تضغن الدابة العلف و لا ينضج الطعام، معنى تضغن أي تألف و تعتاد. و قال بعضهم: سئل يتاذوق عن البخر فقال، دواؤه الزبيب يعجن بالشعير، ثم يؤكل أسبوعين أو ثلاثا. و قال الأطباء: معرفة خفّة الماء أن يكون سريع الغليان سريع البرد، و يكون قبالة الشمس مجراه على الشمال و مروره على الطين الأحمر و على الرمل. ذكر أبو طالب أنّ هذا آخر الزيادة من الأقوال. و روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: أكرموا الخبز فإن الله قد أنزله من السماء، فمن بركات الخبز أنه لا ينتظر به أدام و يؤكل مع ما حضر معه من الملح و الخلّ و البقل و غيره، و أن لا يجعل تحت شيء من آلة المائدة و لا تحت غضارة، مثل أن يسند به شيء و لا يتّخذ طبقا لشيء، فإن وضع عليه ما يؤكل فلا بأس. و من السنّة و الأدب أن لا ينتظر بالطعام غائب إذا حضر جماعة، و لكن يأكل من حضر، فإن حرمة الحاضر مع حضور الطعام أوجب من انتظار الغائب إلّا أن يكون الغائب فقيرا فلا بأس أن ينتظر ليرفع من شأنه و لئلا ينكسر قلبه، و إن كان الغائب غنيا لم ينتظر مع حضور الفقراء فإن انتظار الغني معصية لما روى أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: شرّ الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء و يترك الفقراء، فسمي الطعام شريرا لأجل الأغنياء، و الطعام لا تعبد عليه، و إنما الشر اسم لأهل الطعام الداعين الأغنياء عليه التاركين للفقراء. فأما طعام المآتم فهو على ضربين، نوع منه يصنعه أهل الميت للنوائح و البواكي و من يعينهم على الجزع، فإن أكل هذا مكروه منهيّ عنه، و نوع يحمل إليهم لشغلهم عن أنفسهم و إصلاح طعامهم بميتهم، فهذا لا بأس به و بحمله إليهم، و يجوز الأكل منه إن أطعموه غيرهم لأنه من البرّ و المعروف إن لم يرد به النوائح و لا المجالسة على القبور للجزع و الأسى. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: إنّ آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنيع طعامهم فاحملوا إليهم ما يأكلون، فهذا سنّة في حمل