قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٦ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
و قد سئل بعض العلماء عن الورع في المبايعة فقال: لا يصحّ الورع في البيع إلّا بحقيقة النصح. قال: و كيف ذلك؟ قال: إذا بعته شيئا بدرهم نظرت فإن صلح لك أن تشتريه بدرهم فقد نصحته في البيع، و إن كان يصلح لك بخمسة دوانيق و قد بعته بدرهم فإنك إن لم ترض له ما ترضى لنفسك فقد ذهب النصح قال: فإذا عدم النصح ذهب الورع. و يقال: إنّ البائع يوقف يوم القيامة مع كل رجل كان باعه شيئا وقفة و يحاسب عن كل واحد محاسبة حتى عدد من عامله و من اشترى منه في الدنيا. و ذكر بعضهم قال: رأيت بعض التجار في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: نشر عليّ خمسين ألف صحيفة. فقلت: هذه كلّها ذنوب. فقال: هذه معاملات الناس عدد ما كنت عاملته في الدنيا لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بينك و بينه من أول معاملته إلى آخرها، فإن كان البائع ذا ميزان فليرجع في الوزن إذا باع و أعطاه و لينقص نفسه إذا أخذ سيما إذا كان ذا ميزانين كان الأمر عليه أشد. و كان بعضهم يقول: ألا أشتري الويل من الله بحبة؟ فكان إذا أخذ نقص نفسه بحبة و إذا أعطى زاد غيره حبة، لقوله عزّ و جلّ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١]. يعني الذين رضوا بالتطفيف بالحبة و الحبتين فباعوا بذلك جنة عرضها السموات و الأرض لجهلهم بأمر الله تعالى و قلة يقينهم بالآخرة إذا اشتروا الويل بطوبى. و يقال: إنّ هذه المظالم لا ترد أبدا و لا تصحّ التوبة منها لتعذر معرفة أصحابها. و روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه اشترى شيئا فلما وزن ثمنه قال للوزان: زن و أرجح. و نظر الفضيل بن عياض رحمه الله إلى ابنه عليّ و هو يغسل كحلا من دينار أراد أن يصرفه فجعل ينقيه و يغسله من كحله. فقال له: يا بني فعلك هذا أفضل من عشرين حجة. و قال بعض أهل السلف: عجبا للتاجر و البائع كيف ينجو يزن و يحلف بالنهار و ينام بالليل. و قال سليمان عليه السلام: كما تدخل الحية بين الحجرين كذلك تدخل الخطيئة بين المتابعين. و حدثت أنّ بعض السلف صلّى على مخنث قد كان يجمع بين النساء و الرجال و غير ذلك. فقيل له: إنه قد كان فاسقا و كان كذا و كذا، فسكت. فأعاد عليه القائل فسكت. قال فمه كأنك قلت لي كان صاحب ميزانين يأخذ بأحدهما و يعطي بالأخرى، هذا على التغليظ و الوعظ، أراد أنّ التطفيف مظالم بين الخلق و أنّ الفسق ظلم العبد لنفسه و بين مظالم العباد و ظلم العبد لنفسه بون كبير من قبل أنّ الخلق فقراء جهلة نيام فيستوفون حقوقهم لحاجتهم إليها و الله عزّ و جلّ عالم كريم غني فيسمح بحقه. و لا ينبغي للمشتري