قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٠ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
العبد و أجلس كما يجلس العبد، و ربما جثا للأكل على ركبتيه و جلس على ظهر قدمه، و نصف وجله اليمنى و هي جلسة العرب للأكل إلى اليوم، و إن أكلوا على السفر فهو سنّة فيتزود لسفره، و خير الزاد التقوي. و أكره الأكل على الموائد العالية لأنهم كانوا يكرهون أن يعلون الطعام على الأيدي، و هذا محدث و ليس من التواضع. قال أنس بن مالك: ما أكل رسول الله صلى الله عليه و سلم على خوان و لا في سكرجة قط. قيل: فعلى ما كنتم تأكلون؟ قال: على السفر. و قيل: أول ما أحدثت الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الأربع: الموائد، و المناخل، و الأشنان، و الشبع، و من غسل بأشنان ابتدأ بغسل فيه بعد غسل يده اليمنى، و يجعل الأشنان في بطن كفه اليسرى يابسا. ثم يغسل فيه حتى ينقيه بأصابعه، ثم يبل الأشنان فيغسل يديه و لا يعيد يغسل كفيه و هو فعل ذوي المروءة. و ينغي إذا حضرت الألوان أن يبتدئ بتقدمة الألطف فالألطف و الأطيب فالأطيب و الأمثل أن يبتدئ بالشواء قبل الثريد و يقدم الطباهج قبل السكباج، فذلك سنّة العرب ليصادف جوعهم أطيب الطعام فيستوفوا من ذلك أوفر النصيب فيكون أثوب لصاحبه و أقل لأكلهم، فإن احتاجوا إلى ما بعده من غليظ الألوان و الطعام تناولوا منه قليلا، فإنما قدم أهل الدنيا اللون الغليظ على اللطيف ليتسع أكفهم و تنفتق شهوتهم، فيكون اللون اللطيف في موضع آخر، و ليكونوا قد أكلوا من اللون الأجود الأطيب أقلّ، و هذا غير مستحبّ عند أبناء الآخرة، و قد كان من سنّة المتقدمين أن يقدّموا جملة الألوان في مكان واحد مما يشتهي، و ليكون ما تقدّم معلوما لهم و قال لهم إذ لم يكن عنده إلّا لون واحد: ليس يحضر إلّا هذا ليستوفوا منه و لا يتطلعوا إلى غيره كان صوابا. حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له قال: قدم إلى بعض أهل الشام لونا من طبيخ فقلت له عندنا بالعراق يقدم هذا اللون آخر الألوان فقال لي: هكذا هو عندنا بالشام. قال: فاستحييت إذ لم يكن عنده غير ذلك اللون. و قال لي آخر: كنا في جماعة عند رجل فجعل يقدّم إلينا ألوان الرءوس منها طبيخا و قديدا فجعلنا نقصر في الأكل نتوقع بعده الألوان و جملا أو جديا. قال: فجاءنا بالطست و لم يقدّم غيرها. فقال لي بعض الشيوخ من أهل التصوّف و كان مزّاحا: و هو تعالى يقدر أن يخلق رءوسا بلا أبدان. قال: فبتنا تلك الليلة جياعا فطلب بعضنا في آخر الليل خبزا أو فتيتا لسحوره و ينبغي أن يمكنهم من بقية الألوان و لا يرفعها حتى يرفعوا أيديهم، فإنه من الأدب، و لعل فيهم ما يكون عنده ما قدّم أشهى إليه مما يقدم بعد. و قد يكون فيهم من به حاجة إلى فضل أكل فينقص عليه برفعه قبل أن يستوفي ما في نفسه. حدثني بعض أصحابنا عن الستوري و كان صوفيا أنه حضر على مائدة أبناء الدنيا