قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٤ - ذكر فرائض الاستنجاء
نظر و علم و تكلم. لا يدخل الترتيب في صفاته أعني بقبل و بعد، و لا يوصف بوقت و حدّ و لا يشبه بالتعقيب بقوته و أحكامه أعني بثم و لم، و إذا و حتى. و لزم على ذلك أنه يعلم بنظره و ينظر بعلمه. فصارت الأوائل و الأواخر لديه كشيء واحد. و كانت صفاته كلها آحادا كاملات تامات، غير محدودة للمحدودات و لا مؤقتة مرتبة للمرتبات المؤقتات، إذ لم يكن لها محدثات لأنها قديمة بقدمه و كائنة موجودة بكونه و وجوده، إذ الترتيب في النعوت من وصف الخلق و الأدوات لكونها محدثة مظهرات بحدود و ترتيب و أوقات، و الله تعالى ليس كمثله شيء في كل الصفات. فصفاته قديمة بقدمه و كائنة موجودة بكائنته و وجوده، و الأفعال محدثة مظهرات بحدود و ترتيب، و أوقات بترتيب فلا موجود في الأولية و لا المشاهدة سواه و لا شريك له في القدم، و لا قيوم له في الأبد و الأزل سواه قبل وجود الوقت. و الحدثان ليست صفاته ذوات جهات فيتوجه إلى جهته فيدرك بصفة دون صفة، و لا ذاته ذو ذات فيقبل على مكان دون مكان فيضطره الترتيب للمخلوقات، و لا يدبر الأمور بأفكار فيشغله شأن عن شأن، و لا يدخل عليه الاعتراض فيتغير عمّا كان، و لا يخلق بآلة فيستعين بسواه، و لا يعجزه قدرة فيحتاج إلى مباشرة يديه. يخلق بيده إذا شاء و عن كلمته إن شاء، و بإرادته متى شاء و بمعاني صفاته كيف شاء. لا يضطره التكوين إلى الكلام و كلامه إليه كيف شاء، كان خزائنه في كلمته و قدرته في مشيئته. إذا تكلم أظهر و إن شاء قدر، و متى أحب ظهر و بأي قدرة شاء استتر. هو عزيز في قربه و قريب في علوّه حجب الذات بالصفات، و حجب الصفات بالفعال. كشف العلم بالإرادة و أظهر الإرادة بالحركات، و أخفى الصنع بالصنعة و أظهر الصنعة بالأدوات. هو باطن في غيبة و ظاهر بحكمه و قدرته، غيب في حكمته، و حكمته شهادة ظاهرة بمحكوماته، و هي مجاري قدرته، و صنع سر في صنعته و هي علانية مشيئته، ليس كمثله شيء في كل صفة و لا كقوله في ماهية. و قد روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كلمة مجملة بالغة في وصف التوحيد أنه قال في خطبته: الحمد للَّه الذي لم يجعل السبيل إلى معرفته إلا بالعجز عن درك معرفته. و روينا عن أحمد بن أبي الحواري عن بعض علماء أهل المعرفة من أهل الشام أنه قال: رأى عزّ و جلّ خلقه قبل أن يخلقهم كما رآهم بعد ما خلقهم. و روي عن أبي سليمان الداراني أن قال: أدخلهم الجنان قبل أن يطيعوه، و أدخلهم النار قبل أن يعصوه. و قال أيضا: إنّ الله عزّ و جلّ أعزّ من أن يغضبه أفعال خلقه، لكنه نظر إلى قوم بعين الغضب قبل أن يخلقهم، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الغضب فأسكنهم دار الغضب، و هو أكبر من أن يرضيه أفعال خلقه، و لكنه نظر إلى قوم بعين الرضا قبل أن