قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٣٣ - الفصل السادس و الأربعون فيه كتاب ذكر دخول الحمام
نظر الحمامي إليه صار معلوما. و الثالثة أن لا يكثر صب الماء عليه من غير حاجة، و لا يستعمل ما يكفي رجلين و ثلاثة سيما من الماء الحار، فإنّ له مئونة. و لا يستعمل من ذلك إلّا ما لو رآه الحمامي لم يكره ذلك منه و لم يسوءه، و ما علم أن الحمامي لو رآه يستعمله من الماء الكثير لشق عليه ذلك، فإنه مكروه له في غيبه. و الرابعة أن يتذكّر النار بحرارة الحمام و لذع مسه و غشيان ظلمته، لأن الحمام في الظلمة أشبه شيء بجهنم، الحرارة من تحتك و الظلمة من فوقك، فهذا وصف جهنم نعوذ باللَّه منها فليتذكر بقلة صبره على الحمام و عظم كربه فيه حبسه في جهنم، و إنه لو أقام في الحمام فضل ساعة لضعف روحه حتى يخرج خفوقا، و يكون له في الحمام موعظة و عبرة إذا عبر أولي الأبصار. و مواعظ أهل التقوى لا تنقضي، و لهم في كل شيء عبرة و موعظة و بكل شيء تذكرة، لأن الله عزّ و جلّ قد أحياهم حياة طيبة، و هذه علامة من كان له قلب و من مقامه المزيد، و لا بأس أن يظهر ذكر الله عزّ و جلّ بالتسمية و الاستغفار، و مكروه له قراءة القرآن إلّا في نفسه سرّا و لا يسلم على أحد فيه بلفظ السلام. و روينا أنّ رجلا أسلم على الحسن بن عليّ رضي الله عنهما في الحمام فقال: ليس في الحمام سلام، فإن احتاج أن يتكلم رجل فيه فلا بأس أن يأخذ بيده استئناسا للكلام أو يقول له: عافاك الله و أدام سلامتك. و مكروه له كثرة الكلام فيه و أن يتكلم رجل بما لا يعنيه، و لكن يقول: بسم الله، إذا دخله و يستعيذ باللَّه من الرجس الخبث الشيطان الرجيم. و إن أعطى الحمامي أجرة ليخليه له أجر على ذلك. قال بشر: ما أعنف رجلا لا يملك إلّا درهما أنّ يعطيه لخلوة الحمامي. و كان بشر يغطي ليخلي له الحمام، فكان يغلقه عليه من داخل و من خارج، فإن وليته جاريته للإطلاء في الحمام إذا كان خاليا ستيرا فلا بأس. قال بعضهم: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما في الحمام مستقبلا بوجهه الحائط، و قد عصب عينيه بعصابة و مدّ يده على الحائط. و قيل لإبراهيم الحربي: تصلّي خلف شارب النبيذ قال: نعم قيل: فتصلّي خلف من يدخل الحمام بلا مئزر قال: لا. و يكره دخول الحمام عند الغروب و بين العشاءين، فإن تلك الساعتين وقت انتشار الشياطين. و ليعرف بدخوله نعمة الله عزّ و جلّ و تسخيره له من شاء من خلقه بالتعب منهم و الكد فيه، فهذا من لطيف إفضال الله عزّ و جلّ على المتنعمين به. و من دخل الحمام و قام بهذه الأحكام كان دخوله أفضل لأن له فيه أعمالا كثيرة. و دخل الأعمش فرأى عريانا فغمض عينيه و جعل يتلمس الحيطان، فقال له