قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٠ - ذكر فضائل الحج و الحاجين لوجه الله
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، قال: طريق مكة بصدهم عنه. و روينا عن مجاهد و غيره من العلماء: دخل حديث أحدهما في الآخرة، كانوا يتلقون الحاج يدعون لهم قبل أن يتدنسوا و يقولون: تقبل الله منا و منكم. و أنّ الحاج إذا قدموا مكة تلقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل و صافحوا ركبان الحمير و اعتنقوا المشاة اعتناقا. و قال الحسن: من مات يعقب شهر رمضان، أو يعقب غروا، أو يعقب حجّا، مات شهيدا. و قال عمر رضي الله تعالى عنه: الحاج مغفور له و لمن استغفر له شهر ذي الحجة و المحرم و صفر و عشرين من ربيع الأول. و قد كان من سنة السلف أن يشيعوا الغزاة و أن يستقبلوا الحاج و يقبلوا بين أعينهم و يسألوهم الدعاء لهم. و في الخبر: اللهم اغفر للحاج و لمن استغفر له الحاج. و حدثونا عن عليّ بن الموفق قال: حججت سنة فلما كان ليلة عرفة بتّ بمنى في مسجد الخيف، فرأيت في المنام كأنّ ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر فنادى أحدهما صاحبه: يا عبيد الله. فقال الآخر: لبيك يا عبد الله. قال: تدري كم حجّ بيت ربنا في هذه السنة؟ قال: لا أدري. قال: حجّ بيت ربنا ستمائة ألف. فتدري كم قبل منهم؟ قال: لا. قال: قبل منهم ستة أنفس. قال: ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعا فاغتممت غمّا شديدا و أهمني أمري فقلت: إذا قبل حجّ ست أنفس فأين أكون أنا في ستة أنفس؟ فلما أفضنا من عرفة و بت عند المشعر الحرام جعلت أفكر في كثرة الخلق و في قلة من قبل منهم فحملني النوم، فإذا الشخصان قد نزلا من السماء على هيئتهما فنادى أحدهما: يا عبد الله. قال: لبيك يا عبد الله، قال: تدري كم حجّ بيت ربنا؟ قال: نعم ستمائة ألف. قال: فتدري كم قبل منهم؟ قال: نعم ستة أنفس. قال: فتدري ما ذا حكم ربنا في هذه الليلة؟ قال: لا. قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف. قال: فانتبهت و بي من السرور ما يجلّ من الوصف. ذكر في هذه القصة ستة و لم يذكر السابع، و هؤلاء هم الأبدال السبعة أوتاد الأرض المنظور إليهم كفاحا. ثم ينظر إلى قلوب الأولياء من وراء قلوبهم. فأنوار هؤلاء عن نور الجلال و أنوار الأولياء من أنوارهم، و أنصبتهم و علومهم من أنصبة هؤلاء و علومهم. فلم يذكر السابع و هو قطب الأرض، و الأبدال كلهم في ميزانه. و يقال إنه هو الذي يضاهي الخضر من هذه الأمة في الحال و يجاريه في العلم، و إنهما يتفاوضان العلم و يجد أحدهما المزيد من الآخرة، فإنما لم يذكر و الله أعلم لأنه يوهب له من مات، و لم يحجّ من هذه الأمة لأنه أوسع جاها من جميعهم و أنفذ قولا في الشفاعة من الجملة. و قد روينا عن ابن الموفق قال: حججت سنة، فلما قضيت مناسكي تفكّرت فيمن