قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٤ - ذكر فضائل الصلاة و آدابها و ما يزكو به أهلها و وصف صلاة الخاشعين
شيء في قلبه أكبر من الله تعالى عنده، فيقول له: كذبت ليس الله في قلبك كما تقول. قال: فيثور في قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجابا لقلبه. قال: فيرد ذلك الحجاب صلاته، و يلتقم الشيطان قلبه، فلا يزال ينفخ فيه، و ينفث و يوسوس إليه، و يزين له، حتى ينصرف من صلاته و لا يعقل ما كان فيه. و قد جاء في الخبر: لو لا أنّ الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه رأى في القبلة نخامة، فغضب غضبا شديدا، ثم حكّها بعرجون كان في يده، و قال: ائتوني بعبير فلطخ أثرها بزعفران، ثم التفت إلينا فقال: أيكم يحب أن يبزق في وجهه؟ قلنا: لا أينا. قال: فإن أحدكم إذا دخل في صلاته فإن الله عزّ و جلّ بينه و بين القبلة. و في لفظ آخر واجهه الله تعالى، فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه، و لا عن يمينه، و لكن عن شماله، أو تحت قدمه اليسرى. فإن بدرته بادرة فليبصق في ثوبه و ليقل به هكذا، و ذلك بعضه ببعض. و قد روي: إذا قام العبد في صلاته فقال: الله أكبر، قال الله لملائكته: ارفعوا الحجاب بيني و بين عبدي. فإذا التفت يقول الله تعالى: عبدي إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه. ثم إذا قام المقبل على صلاته شهد قلبه قيامه لرب العالمين، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم شهد وقوفه بالحضرة بين يدي الملك الجبار، إذ ليس من الغافلين، فتأخذه غيبة الحضور، و يرهقه إجلال الحاضر، و يستولي عليه تعظيم القريب، و بجمعه خشية الرقيب. فإذا تلا وقف همّه مع المتكلم ما ذا أراد، و اشتغل قلبه بالفهم عنه و الانبساط منه. فإن ركع وقف قلبه مع التعظيم للعظيم، فلا يكون في قلبه أعظم من الله تعالى وحده. فإن رفع شهد الحمد للمحمود، فوقف مع الشكر للودود، فاستوجب منه المزيد، و سكن قلبه بالرضا، لأنه حقيقة الحمد. و إن سجد سما قلبه في العلوّ فقرب من الأعلى بقوله تعالى: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ [العلق: ١٩]. و أهل المشاهدة في السجود على ثلاث مقامات، منهم من إذا سجد كوشف بالجبروت الأعلى فيعلو إلى القريب و يدنو من القريب، و هذا مقام المقربين من المحبوبين، و منهم من إذا سجد كوشف بملكوت العزة، فيسجد على الثرى الأسفل عند وصف من أوصاف القادر الأجل، فيكسر قلبه و يخبت تواضعا و إلا للعزيز الأعلى، و هذا مقام الخائفين من العابدين، و منهم من إذا سجد جال قلبه في ملكوت السموات و الأرض فآب بظرائف الفوائد و شهد غرائب الزوائد، و هذا مقام الصادقين من الطالبين. و هناك قسم رابع لا يذكر بشيء ليس له وصف فيستحق المدح، و هم الذين يجول همّهم في أعطية الملك و أنصبة المماليك، فهم محجوبون بالهمم الدنية عن الشهادة العلية مأسورون بالهوى عن السياحة