قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨١ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
و بينه مئونة التحفظ، و قد كان جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يقول: أثقل إخواني عليّ من يتكلف لي و أتحفظ منه، و أخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي، يريدون بهذا كله أنّ من لم يكن على هذه الأوصاف دخل عليه التصنع و التزين، فأخرجاه إلى الرياء و التكلف، فذهبت بركة الصحبة و بطلت منفعة الأخوة. و قال بعض الصوفية: لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببرّ و لا تنقص بإثم، و من يتوب عنك إذا أذنبت، و يعتذر إليك إذا أسأت، و يحمل عنك مئونة نفسه و يكفيك مئونة نفسك، و هذه من أعز الأوصاف في هذا الوقت. كما قال رجل للجنيد: قد عزّ في هذا الزمان أخ في الله تعالى قال: فسكت عنه، ثم عاد ذلك فقال له الجنيد: إذا أردت أخا في الله عزّ و جلّ يكفيك مئونتك و يتحمل أذاك فهذا لعمري قليل، و إن أردت أخا في الله تتحمل أنت مئونته و تصبر على أذاه، فعندي جماعة أدلك عليهم إن أحببت، فهذا لعمري يكون محبّا لنفسه إذا اقتضى هذا من أخيه لا محبّا لأخ في الله تعالى، و ليس الإخاء كف الأذى لأن هذا واجب، و لكن الإخاء الصبر على الأذى، و كانت هذه الطائفة من الصوفية لا يصطحبون إلّا على استواء أربع معان، لا يترجح بعضها على بعض، و لا يكون فيها اعتراض من بعض إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم، و إن صلّى الليل أجمع لم يقل له أحد نم بعضه، و تستوي حالاه عنده، فلا مزيد لأجل صيامه و قيامه، و لا نقصان لأجل إفطاره و نومه، فإذا كان عنده يزيد بالعمل و ينتقص بترك العمل، فالفرقة أسلم للدين و أبعد من المراءاة من قبل إنّ النفس مجبولة على حب المدح و كراهة الذم، و مبتلاة بأن ترب حالها التي عرفت به، و أن تظهر أحسن ما يحسن عند الناس منها، فإن صحب من يعمل معه هذا فليس ذلك بطريق الصادقين و لا بغية المخلصين، فمجانبة هؤلاء الناس أصلح للقلب و أخلص للعمل، و في معاشرتهم و صحبة أمثالهم فساد القلوب و نقصان الحال، لأن هذه أسباب الرياء، و في الرياء حبط الأعمال و حسن رأس المال، و السقوط من عين ذي الجلال نعوذ به سبحانه و تعالى من ذلك. و كان الثوري رحمه الله تعالى يقول: من عاشر الناس داراهم، و من داراهم راءاهم، و من راءاهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا. و كان بعض الناس يقول: لا تؤاخ من الناس إلّا من لا يتغير عليك في أربع: عند غضبه و رضاه و عند طمعه و هواه، لأن هذه المعاني تتغير لها الطباع لدخول الضرر منها على النفس و فقد الانتفاع. و قال بعض الأدباء: لا تصحب من الناس إلّا من كان على هذا الوصف: يكتم سرّك و ينشر برّك و يطوي عيبك و يكون في النوائب معك و في الرغائب يؤثر، فإن لم تجده فلا تصحب إلّا نفسك. و قد أنشدنا بعض العلماء لبعض الأدباء في معنى هذه الأوصاف: