قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٢ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
و ندمان أخي ثقة كان حديثه خبره يسرك حسن ظاهره و تحمد منه مختبره فساعد خله كرما و في أخلاقه أثره و يطوى سوءة أبدا و حسنا إن طوى نشره و يستر عيب صاحبه و يستر أنه ستره و قال بعض العلماء: لا تصحب إلّا أحد رجلين: رجلا تتعلم منه شيئا من أمر دينك فينفعك، أو رجلا تعلمه شيئا من دينه فيقبل منك، و الثالث هرب منه. و قال ابن أبي الحواري: قال لي أستاذي أبو سليمان: يا أحمد لا تصحب إلّا أحد رجلين: رجل ترتفق به في دنياك، أو رجل تزيد معه و تنتفع به في آخرتك، و الاشتغال بغير هذين حمق كبير. و كان المأمون يقول: الإخوان ثلاثة: أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه، و الآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت، و الثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه فالعبد مبتلى بهذا الثالث و هو الذي لا أنس فيه و لا نفع عنده، و الأول نعمة من الله سبحانه و تعالى على العبد، فيه ألفة و أنس و معه غنيمة و نفع. و كان أبو ذر يقول: «الوحدة خير من جليس السوء، و الجليس الصالح خير من الوحدة». و قال بشر بن الحارث: يكون للرجل ثلاثة إخوان: أخ لآخرته، و أخ لدنياه، و أخ يأنس به، فأخبر أنّ أخ المؤانسة قد لا يكون متقرّبا عابدا، و أنّ الأنس مخصوص يقال: لا يوجد إلّا في كريم. و كان يوسف بن أسباط يعزز من فيه أنس من الإخوان، فكان يقول ما في المصيصة ثلاثة يؤنس بهم، و اعلم أنّ الأنس لا يوجد في كل عالم، و لا في كل عاقل، و لا في كل عابد زاهد، و يحتاج الأنس إلى وجود معان تكون في الولي، فإذا اجتمعت فيه كمل فيه الأنس، و ارتفعت عنه الوحشة و الحشمة، و من لم تكن فيه لم يوجد فيه أنس، و من لم تكمل فيه وجد فيه بعض الأنس، و إذا حصل الأنس ففيه الروح من الكروب و الاستراحة من الغمّ و السكون و طمأنينة القلب، فكذلك عزّ من يوجد فيه الأنس لعزة خصاله و هي سبع: علم و عقل و أدب و حسن خلق و سخاء نفس و سلامة قلب و تواضع، فإن فقد بعضها لم يجد خلا يأنس بكماله، من قبل أن أضدادها وحشة كلها لأن الجاهل لا أنس فيه، و الأحمق لا أنس به، و البخيل سيء الخلق لا أنس عنده، و الخبيث و المتكبر لا أنس معه فاعرف هذا. و روينا عن الأصمعي أنه ذكر عن بعض الحكماء قال: عاملوا أحرار الناس بمحض