قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٢ - ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء و إظهاره و من رأى أنّ الإظهار أفضل و تفضيل ذلك
أستاذي و كان أحد العارفين عن إظهار السبب أو إخفائه فقال: أظهر الأخذ على كل حال إن كنت آخذا، فإنك لا تخلو من أحد رجلين، رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك فذلك هو الذي تريد، لأنه أسلم لدينك و أقلّ لآفات نفسك، و ينبغي أن تعمل في ذلك، فقد جاءك بلا تكلّف، و رجل تزداد و ترتفع في قلبه فذاك هو الذي يريد أخوك لأنه يزداد ثوابا بزيادة حبه لك و تعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب مزيده، و ينبغي أن تعمل في ذلك، و قال بعض العارفين: إذا أخذت فأظهر فإنها نعمة من الله إظهارها أفضل، و إذا رددت فأخف فإنه عمل لك و إسراره أفضل، و هذا لعمري قول فصل، و هو طريق العارفين، و قال بعض علمائنا: إظهار العطاء من الآخذ آخرة و كتمانه دنيا و إظهار الأعمال من الدنيا و كتمها آخرة، و كان هذا لا يكره الإظهار، و هذا كما قال الله تعالى: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١] و قد ذمّ الله تبارك و تعالى من كتم ما أتاه الله من فضله و قرنه بالبخل، و البخل باب كبير من الدنيا فقال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ الله من فَضْلِهِ [النساء: ٣٧]. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: إذا أنعم الله عزّ و جلّ على عبد نعمة أحبّ أن ترى عليه، و هذا هو الأقرب إلى قلوب الموحدين من العارفين، لأنه مقتضى حالهم و موجب مشاهدتهم لاستواء ظروف الأيدي عندهم من العبيد و نفاد نظرهم إلى المعطي الأول، فاستوى سرهم و علانيتهم في الأخذ من يده. و فصل الخطاب في هذا الباب عندي أنه يحتاج إلى تفصيل فنقول و الله أعلم: إنّ الخلق مبتلى بعضه ببعض، و فرض كل عبد القيام بحكم حاله ليفضل بقيامه و يسلم في حاله. فعلى المعطي أن يخفي و يسرّ جهده، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك، فكانت هذه آفة من آفات نفسه و بابا من أبواب دنياه، و على المعطي أن يذكر و ينشر، فإن أخفى و كتم فقد ترك الإخلاص في عمله و نقص لذلك، و كانت آفة من آفات نفسه و بابا من دنياه مثله. و روينا أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قيل له: إنّ فلانا أعطيته دينارا فأثنى بذلك و شكر. فقال: لكن فلان أعطيته ما بين الثلاثة إلى العشرة فما أثنى و لا شكر. فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم مريدا أن يشكره أو يثني عليه و هو يقول لابن الحمامة الشاعر و غيره: أما ما مدحتني به فألقه عنك، و أما ما مدحت به ربك عزّ و جلّ فهاته، فإنه يحبّ المدح لكنه أراد منه القيام بحكم حاله لعلمه أنّ في الشكر و الثناء حضّا و تحريضا على المعروف و العطاء، و أنه خلق من أخلاق الربوبية، أحبه الله عزّ و جلّ من نفسه فشكره للمنفقين و هو الرازق، و أحبّ من أخلاق الربوبية، أحبه الله عزّ و جلّ من نفسه فشكره للمنفقين و هو الرازق، و أحبّ من أوليائه أن يشكروا للأواسط و يثنوا به عليهم، و إن شهدوا فيه الأول. و كذلك لما قالت المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا خيرا من قوم نزلنا عليهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن