قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٣ - ذكر فضائل الحج و آدابه و هيئاته و فضائل الحجاج و طريق السلف السالكين للمنهاج
و استعملوا الخشونة من الأشياء. و بعض أصحاب الحديث يصف هذه الحروف يقول: احلقوا من الحلق. و لا يجوز أن يأمرهم بإسقاط سنة كيف. و قد قال لصبيغ حين توسّم في مذهب الخوارج: اكشف رأسك. فرآه ذا ضفيرتين فقال: لو كنت محلوقا لضربت عنقك، و لينح مثال أهل اليمن في الزي و الأثاث، فإن الاقتداء بهم و الاتباع لشمائلهم في الحجّ طريقة السلف على ذلك الهدى و الوصف. كان رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه، و ما عدا وصفهم و خالف هديهم، فهو محدث و مبتدع. و لهذا المعنى قيل: زين الحجيج أهل اليمن لأنهم على منهاج الصحابة و طريقة السلف. و قيل في مدحهم بالتقلّل و الانفراد: لا يغلون سعرا و لا يضيقون طريقا. و قد كان العلماء قديما إذا نظروا إلى المترفين قد خرجوا إلى مكة يقولون: لا تقولوا خرج فلان حاجّا، و لكن قولوا: خرج مسافرا. و يقال: إنّ هذه المحامل و القباب أحدثها الحجاج بن يوسف، فركب الناس سنّته. و قد كان العلماء في وقته ينكرونها و يكرهون الركوب فيها. و أخاف أنّ بعض ما يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما يحمل، و لعله عدل أربعة أنفس و زيادة مع طول الشقة و قلة الطعم. و ينبغي أن يقلّل من نومه على الدابة، فإنه يقال: إنّ النائم يثقل على البعير. و قد كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلّا من قعود يغفون غفوة بعد غفوة. و كانوا أيضا لا يقفون عليها الوقوف الطويل لأن ذلك يشق عليها. و في الحديث: لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي. و لا يحمل على الدابة المكتراة إلّا ما قاضى عليه الجمال أو ما أعلمه به. و قال رجل لابن المبارك: احمل لي هذا الكتاب معك. فقال: حتى استأمر الجمال، فإني قد اكتريت، و لينزل عن دابته غدوة و عشية يروحها بذلك. ففيه سنّة و آثار عن السلف. و قد كان بعض السلف يكتري لازما و يشترط أن لا ينزل، ثم إنه ينزل للرواح ليكون ما رفه عن الدابة من حسناته محتسبا له في ميزانه. و بعض علماء الظاهر يقول: إنّ الحج راكبا أفضل لما فيه من الإنفاق و المئونة، و لأنه أبعد لضجر النفس، و أقل لأذاه و أقرب لسلامته و تمام حجه، فهذا عندي بمنزلة الإفطار يكون أفضل إذا ساء عليه خلقه، و ضاق به ذرعه، و كثر عليه ضجره، لأن حسن الخلق و انشراح الصدر أفضل. و قد يكون كذلك لبعض الناس دون بعض ممن يكون حاله الضجر و وصفه التسخط و قلة الصبر، أو لم يمكن المشي. و سألت بعض فقهائنا بمكة و كان ورعا عن تلك العمر التي تعتمر من مكة إلى التنعيم، و هو الذي يقال له مسجد عائشة، و هو ميقاتنا للعمرة في طول السنة أي ذلك أفضل المشي في العمرة، أو يكتري حمارا بدرهم يعتمر عليه فيقال: يختلف ذلك على قدر شدته على الناس، فإن كان إنفاق الدرهم أشدّ عليه من