قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٤ - ذكر فضائل الحج و آدابه و هيئاته و فضائل الحجاج و طريق السلف السالكين للمنهاج
المشي فالاكتراء أفضل لما فيه من إكراه النفس عليه و شدته عليها. و من كان المشي عليه أشق فالمشي أفضل لما فيه من المشقة. ثم قال: هذا يختلف لاختلاف أحوال الناس من أهل الرفاهية و النعمة، فيكون المشي عليهما أشد. و عندي أنّ الاعتمار ماشيا أفضل. و كذلك الحج ماشيا لمن أطاق المشي و لم يتضجر به و كان له همة و قلب. و قد روينا في خبر من طريق أهل البيت: إذا كان في آخر الزمان خرج الناس للحج أربعة أصناف، سلاطينهم للنزهة، و أغنياؤهم للتجارة، و فقراؤهم للمسألة، و قرّاؤهم للسمعة. و يكره أخذ الأجرة على الحجّ فيجعل نصيبه و عناه لغيره ملتمسا عرض الدنيا. و قد كره ذلك بعض العلماء، و لأنه من أعمال الآخرة و يتقرّب به إلى الله، يجري مجرى الصلاة و الأذان و الجهاد فلا يأخذ على ذلك أجرا إلّا في الآخرة. و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعثمان بن أبي العا و اتخذ مؤذنا لا تأخذ على الأذان أجرا. و سئل عن رجل خرج مجاهد فأخذ ثلاثة دنانير فقال: ليس له من دنياه و آخرته إلّا ما أخذ. فإن كان نية عبد الآخرة أو همته المجاورة و اضطر إلى ذلك، فإن الله تعالى قد يعطي الدنيا على نية الآخرة و لا يعطي الآخرة على نية الدنيا، رجوت أن يسعه ذلك. و في الخبر: يؤجر على الحجة الواحدة ثلاثة و يدخلون الجنة: الموصي بها، و المنفذ للوصية، و الحاجّ الذي يقيمها لأنه ينوي خلاص أخيه المسلم و القيام بفرضه. و قد جاء مثل المجاهد الذي يأخذ أجرا على جهاده مثل أم موسى يحلّ أجرها و ترضع ولدها، هذا إذا كانت نيته الجهاد و احتاج إلى معونة عليه. كذلك من كانت نيته في حجه الآخرة، و التقرّب إلى الله تعالى بالطواف و العمرة بعد قضاء ما عليه، لم يضره أخذ أجرة على حجه إن شاء الله تعالى. و من فضائل الحجّ أن لا يقوي أعداء الله الصادين عن المسجد الحرام بالمال، فإن المعونة و التقوية بالمال تضاهي المعونة بالنفس، و الصدّ عن المسجد الحرام يكون بالمنع و الإحصار، و يكون بطلب المال، فليحتل في التخلص من ذلك فإن بعض علمائنا كان يقول: ترك التنقل بالحجّ الرجوع عنه أفضل من تقوية الظالمين بالمال، لأن ذلك عنده دخيلة في الدين، و وليجة في طريق المؤمنين، و إقامة و إظهار لبدعة أحدثت من الآخذ و المعطي، و هذا كما قال لأنه جعل بدعة سنة و دخولا في صغار و ذلة و معاونة على وزر أعظم في الحرم من تكلّف حجّ نافلة قد سقط فرضه كيف. و في ذلك إدخال ذلة و صغار على الإسلام و المسلمين مضاهاة للجزية. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فإن ترك المسلمون فأشد لئلا يؤتى الإسلام من قبلك. و في الخبر المشهور: المسلمون كرجل واحد و مثل المسلم من المسلمين كمثل