قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٤ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
في النكاح فأكثروا منه لما ضيقوا على جوارحهم عن الانتشار في الأبصار، و قد كان الجنيد رحمه الله يقول: أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت، و كان ابن عمر رضي الله عنه من زهاد أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و علمائهم، و كان يصوم كثيرا، و كان يفطر على الجماع قبل الأكل، و ربما جامع قبل أن يصلي بالمغرب ثم يغتسل و يصلّي. و روينا عنه أنه جامع أربعا من جواريه في رمضان قبل صلاة عشاء الآخر، و قد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: خير هذه الأمة أكثرها نكاحا، و كان سفيان بن عيينة يقول: كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليّا رضي الله تعالى عنه كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، و كان له أربع نسوة و سبعة عشر سرية، فالنكاح سنّة ماضية و خلق من أخلاق الأنبياء صلوات الله عليهم. و قد روينا في أخبار الأنبياء أنّ عابدا تبتل و بلغ من العبادة ما فاق على أهل زمانه، و وصف بذلك فقال: فذكر ذلك لنبي ذلك الزمان، فأثنى عليه بحسن الثناء فقال: نعم الرجل هو لو لا أنه تارك لشيء من السنة قال: فنمى ذلك إلى العابد فأهمه فقال: ما ينفعني عبادتي ليلا و نهارا و أنا تارك للسنة، فجاء إلى ذلك النبي فسأله فقال: نعم أنت تارك للتزوّج فقال: ما تركته أنني حرمته و منعني منه إلّا أني فقير لا شيء عندي و أنا عيال على الناس، يطعمني هذا مرة و هذا مرة، فكرهت أن أتزوّج امرأة أعضلها و أرهقها جهدا، فقال: ما يمنعك إلّا هذا قال: نعم قال: فأنا أزوجك ابنتي قال: فزوجه النبي عليه السلام ابنته في قصة طويلة. و روينا في نوادر أخبارهم أيضا: أنّ يحيى بن زكريا عليهما السلام تزوّج امرأة و لم يكن يقربها، قيل: لغض البصر و قيل: للفضل في ذلك، كأنه أراد أن يجمع الفضائل كلها، و قيل: للسنّة. و كان بشر بن الحارث رحمه الله يعتقد أحمد بن حنبل رحمه الله و يقول: فضل عليّ بثلاث بطلب الحلال لنفسه و لغيره، و أنا أطلب الحلال لنفسي و اتساعه للنكاح و ضيقي عنه و قد جعل إماما للعامة، و أنا أطلب الوحدة لنفسي. و يقال إنّ أحمد بن حنبل رضي الله عنه تزوّج اليوم الثاني من وفاة أم عبد الله ولده، و يقال إنه لم يبت عزبا بعد وفاتها إلّا ليلة، و لكن قد كان بشر رحمه الله يحتج لنفسه بحجة، قيل له إنّ الناس يتكلمون فيك فقال: و ما عسى أن يقولوا قال: يقولون هو تارك للسنّة في ترك النكاح فقال: قل لهم: هو مشغول بالفرض عن السنّة، و عوتب مرة أخرى في ترك التزوج فقال: ما يمنعني من ذلك إلّا حرف في كتاب الله عزّ و جلّ: وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ [البقرة: ٢٢٨] قال: فذكر ذلك لأحمد بن حنبل فقال: و أين مثل بشر أنه قعد على مثل حد السنان، و على ذلك فقد بلغنا أنه رحمه الله رؤي في المنام بعد وفاته، فسئل عن حاله فقال: رفعت سبعين درجة في عليين، و أشرف بي على مقامات الأنبياء و لم أبلغ منازل