قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٣ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
و روينا عن فياض بن نجيح إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله، و بعضهم يقول: ذهب ثلث دينه. و روينا في نوادر التفسير عن ابن عباس و من شرّ غاسق إذا وقب قال: قيام الذكر و قد أسنده بعض الرواة، إلّا أنه قال فيه: الذكر إذا دخل و لم يذكر قام. و في الخبر: إذا تزوج الرجل فقد أحرز نصف دينه، فليتّق الله في الشطر الآخر. و في دعاء البراء بن عازب: أعوذ بك من شرّ سمعي و بصري و قلبي و مني، فكان المني إذا امتلأ به خرز الصلب، فطلب الخروج فخيف منه فساد القلب و مرضه بمنزلة الدم إذا كان في العروق، فإذا تصاعد من الصلب طبخه و غيره فابيضّ و صار منيا بإذن الله عزّ و جلّ، و ذكر النساء في مجلس معاوية فذمهن قوم فقال: لا تفعلوا، فما علل المريض و لا ندب الميت و لا عمر البيوت مثلهن، و لا احتاجت الرجال إلى مثلهن و في بعض التفسير قال: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها [الكهف: ٧] قال: النساء. و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوّج، و كان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة و كريب و غيرهما فيقول: إن أردتم النكاح أنكحتكم، فإن العبد إذا زنا نزع نور الإيمان من قلبه. و قد قال عمر رضي الله عنه لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجوز أو فجور. و حدثنا بعض علماء خراسان عن شيخ له من الصالحين، كان يصحب عبدان صاحب ابن المبارك و وصف من صلاحه و علمه قال: فكان يكثر التزويج حتى لم يكن يخلو من اثنتين أو ثلاثة فعوتب في ذلك فقال: هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله عزّ و جلّ مجلسا، أو وقف بين يدي الله موقفا في معاملته، فخطر على قلبه خاطر شهوة، و أفكر في ذلك فقيل: قد يصيبنا هذا كثير فقال: لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما تزوّجت ثم قال: لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلّا نفذته لأستريح منه، و أرجع إلى شغلي ثم قال: منذ أربعين سنة ما خطر على قلبي خاطر معصية، و سمع بعض العلماء بعض الجهال يطعن على الصوفية فقال: يا هذا ما الذي نقصهم عندك فقال: يأكلون كثيرا فقال: و أنت أيضا، لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون ثم قال: ما ذا؟ قال: و يتزوّجون كثيرا فقال: و أنت أيضا، لو حفظت فرجك كما يحفظون تزوّجت كما يتزوّجون و أي شيء أيضا قال: و يسمعون القول قال: و أنت أيضا، لو نظرت كما ينظرون لسمعت كما يسمعون. و قد سئل بعض العلماء عن القراء: لم يكثرون الأكل و يكثرون الجماع و تعجبهم الحلاوة فقال: لأنه يطول جوعهم و يتعذر عليهم موجود الطعام، فإذا وجدوا استكثروا منه، و أما الحلاوة فإنهم تركوا شرب الخمر و كثرة لذات النفوس فاجتمعت لذتهم في الحلاوة، فهم يأكلونها، و أما الجماع فإنهم غضّوا أبصارهم في الظاهر، فضيقوا على قلوبهم في الخواطر، فاتسعوا