أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي - الكمرئي، محمد باقر - الصفحة ٨ - الثالث ان استحقاق العقوبة مجعول عقلائى
و المصلحة متاخره عن الحكم وجودا لأنّها علة غائيه فكيف تكون فيها قابلية وجود الحكم فلا معنى للحكم الاقتضائى اصلا مضافا الى ان بعضهم يقول بان مصلحة الحكم فى انشائه لا فى متعلقه و اما مرتبة الانشاء فهى كما مر ايجاد المفهوم باللفظ فكان اللفظ هو المعنى بالعرض و المواضعة فمهما يوجد اللفظ يوجد المعنى بالعرض و هذا هو مراد من قال ان الكلام الانشائى ما بقصد به ايجاد المعنى فى نفس الامر فنفس الامر هو حد ذاته لا وجود المعنى فى الخارج لان اللفظ ليس من مبادى وجود المعنى و لما كان الانشاء فعلا اختياريا للمنشئ و له داع فيه فان كان الداعى هو الارشاد او الامتحان او نحوهما ففعليته بوجود هذا الداعى و لا ينتزع من امثال هذه الدواعى حكما ينتزع منه البعث او الزجر المولوى و ان كان الداعى هو جعل الداعى يكون حكما فعليا ينتزع منه البعث او الزجر لو لم يكن معلقا او مشروطا بشيء و إلّا فيصير منشأ البعث او الزجر بعد وجود الشرط فظهر انه ليس للحكم مرتبة إنشائية منفكة عن الفعلية صالحة للارتقاء اليها و اما التنجز فليس مرتبة مستقلة عن الحكم الفعلى لانه وصول الحكم الفعلى بحيث يصح العقوبة على عصيانه لا مرتبة من الحكم و لا وجه لجعل الفعلية و التنجز مرتبتين.
اصل فى التجرى:
ذكر المحقق الخراسانى ان البحث فيه يمكن عقده فقهيا كان يقال التجرى حرام ام لا كما يمكن عقده كلاميا كان يقال التجرى يوجب استحقاق العقاب مثل المعصية الحقيقة ام لا و لكن الانسب عقدها فى المقام اصوليا كان يقال هل يوجب التجرى دخول الفعل تحت عنوان قبيح ام لا و لكنه قد عقد البحث فى كفايته هكذا قد عرفت انه لا شبهه فى ان القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة فى صورة الاصابة فهل يوجب استحقاقهما فى صورة عدم الاصابة على التجرى بمخالفته و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئا انتهى فنجرى على منواله و نتبعه بما يناسب المقام فنقول قد عرفت فى المباحث السابقة لاستحقاق العقوبة مسالك متعددة.
[الاول ان يكون مجعولا شرعيا]
الاول ان يكون مجعولا شرعيا كما اختاره بعض المتكلمين و مال اليه الشيخ الرئيس و وجهه انه يجب على الله ايصال العباد الى المصالح و دفع المفاسد عنهم فلا بد من جعل تكليف داع الى ما فيه المصلحة زاجر عما فيه المفسدة و لا يتم الدعوة و الزجر الا يجعل العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة ليتم الترهيب و الترغيب و على هذا لا مجال للقول باستحقاق المتجرى للعقوبة لان الموضوع لها مخالفه التكليف حقيقة بعد تنجزه و كذلك المثوبة.
[الثانى ان يكون من لوازم ذات الافعال]
الثانى ان يكون من لوازم ذات الافعال بان يكون المعصية مادة لصورة اخروية مؤذية و الاطاعة مادة لصورة جميلة مطلوبة و على هذا فهل يكون الفعل المتجرى به او المنقاد به كذلك ام لا و لا يخلو عن اشكال.
[الثالث ان استحقاق العقوبة مجعول عقلائى]
الثالث ما هو المشهود بين القوم من ان استحقاق العقوبة مجعول عقلائى حيث بنوا على دم العاصى و مدح المطيع حفظا لنظام العالم عن الاختلال التام فلا بد من الكلام فى بيان حقيقة هذا الحكم العقلائى و بيان شموله للتجرى و الانقياد و عدمه فنقول ان استحقاق العقاب حكم عقلائى لا عقلى لان شان العقل ليس إلّا الادراك كما مر مرادا و لا شان له فى جعل الحكم و ليس الحسن و القبح بمعنى استحقاق الذم او المدح امرا واقعيا ثابتا فى متن الواقع حتى يدركه العقل لان مدركاته الامور البرهانية المبتنية على اليقين من امور ستة كما ذكروه فى باب صناعة البرهان من المنطق و هى الاوليات و المشاهدات و التجربيات و الفطريات و الحدسيات و المتواترات و من المعلوم عدم اندراج استحقاق الذم و المدح الذى كان محل النزاع