المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول - مدرس افغاني، محمد علي - الصفحة ٦٥ - الفصاحة في المتكلم
ام بالنظر و قضية العقل؟ الجواب عن ذلك: انا نقول لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء، فان العرب الذين ألفوا الشعر و الخطب لا يخلو امرهم من حالين: إما انهم انتدعوا ما أتوا به من ضروب الفصاحة و البلاغة بالنظر و قضية العقل، او اخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم. فان كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على اسرار اللغه و معرفة جيدها من رديئها و حسنها من قبيحها فكذلك هو الذي اذهب اليه، و ان كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم فهذا يتسلسل الى اول من ابتدعه و لم يستقرئه، فان كل لغة من اللغات لا تخلو من وصفى الفصاحة و البلاغة المختصين بالألفاظ و المعاني، الا ان للغة العربية مزية على غيرها لما فيها من التوسعات التي لا توجد في لغة اخرى سواها-الى ان قال-: انا نقول الفرق بين النحو و علم البيان ظاهر، و ذاك ان اقسام النحو اخذت من واضعها بالتقليد حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك، و لما كان العقل يأباه و لا ينكره، فانه لو جعل الفاعل منصوبا و المفعول مرفوعا قلد في ذلك كما قلد في رفع الفاعل و نصب المفعول، و أما علم البيان من الفصاحة و البلاغة فليس كذلك، لأنه استنبط بالنظر و قضية العقل من غير واضع اللغة، و لم يفتقر فيه الى التوقيف منه بل اخذت ألفاظ و معان على هيئة مخصوصة، و حكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فان كل عارف بأسرار الكلام-من اي لغة كانت من اللغات-يعلم ان اخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع و لا ينبو عنها الطبع خير من اخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع، و لو اراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه-انتهى.