الدر المنضود في احكام الحدود - الگلپايگاني، السيد محمد رضا - الصفحة ١٥٤ - استدلالان آخران على وجوب التعزير لكل معصية
فيه الإكتفاء بالنهي عن المنكر و أمّا لزوم التعزير فلا يستقلّ به العقل.
و نحن أيضا نقول: إنّه و إن كان أصل الكلام و الكبرى الكليّة جيّدا لا يقبل الإنكار و الإشكال فإنّه لا شكّ في أنه لا بدّ من الاحتفاظ على نظام أمور الأمّة ماديّة و معنويّة و إقامة قوائم عرشه على الكاهل و لا يجوز لأحد أن يحدث ما يخلّ بنظام الأمّة الإسلامية فإنّ القوانين الإلهيّة و المناهج الدينيّة و الأنظمة الشرعية كلّها مجعولة و مقرّرة لإيجاد النظم في المجتمع و استقراره في العالم الإسلامي فإنّ القتل يوجب تلف النفوس، و الزنا يوجب ضياع النسل و هكذا سائر المحرّمات الشرعيّة يوجب خللا في ناحية من العيش و بالجملة فهذا ممّا لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه. إلّا أن اللّه تعالى قد قرّر طرقا و مناهج لحفظ النظام و صيانته كالحدود المقرّرة و العقوبات الخاصّة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بمراحلهما و مراتبهما المختلفة، و أمّا حفظه بشيء آخر غير ما جعله الشارع من الحدود، و التعزيرات في موارد منصوصة في الكتاب أو السنّة، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في غير تلك الموارد فلا يستقلّ به العقل، و يشكل جدّا- في موارد لم يجعل له الشارع عقوبة حدّا أو تعزيرا و لم ينصّ بها- القول بوجوب هذه العقوبة الخاصّة أعني التعزير مع عدم العلم بوصوله من الشارع أو العلم بالعدم.
و على الجملة فالعقل مستقلّ بقبح الإخلال في النظام و منعه و لزوم حفظه و بقائه لكنّ الشارع قد أقدم على طرق الاحتفاظ به- بإتيان الواجبات و ترك المحرّمات- بما قرّره بلسان القرآن الكريم وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[١] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة و الروايات الشريفة الواردة في هذا الموضوع فإنّ الهدف من الأمر و النهي هو الحفاظ على الواجبات و ردع الناس عن المحرّمات كما أن من الطرق التي سلكها الشارع للوصول إلى هذا الهدف هو ما أوعد به من العقوبات في الآخرة و العذاب الأليم و النّكال الدائم، و من العقوبات هي الّتي قرّرها في هذا العالم على بعض
[١] سورة آل عمران الآية ١٠٤.