نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٤٦ - القصيدة السينية التي ألقاها ابن الأبار القضاعي بين يدي أبي زكريا بن أبي حفص سلطان إفريقية وقد أقبل عليه يستغيثه
دخلها صلحا ، وقال غيره : إنه دخلها عنوة ، وحرقها [١] ، وعاث فيها ، وممن أحرق فيها الأديب أبو جعفر البنّي [٢] الشاعر المشهور رحمه الله تعالى وعفا عنه ، فوجه أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين الأمير أبا محمد مزدلي ففتحها الله تعالى على يديه سنة خمس وتسعين وأربعمائة ، وتوالى عليها أمراء الملثمين ، ثم صارت ليحيى بن غانية الملثم حين ولي جميع شرق الأندلس ، فقدم عليها أخاه عبد الله بن غانية ، ولما ثارت الفتنة في المائة السادسة أخرجه منها مروان بن عبد العزيز ، إلى أن قام عليه جيش بلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، وبايعوا لابن عياض ملك شرق الأندلس ، ففر مروان إلى المرية ، ثم رجعت بلنسية إلى أبي عبد الله بن مردنيش ملك شرق الأندلس بعد ابن عياض ، وقدم عليه أخاه أبا الحجاج يوسف بن سعد بن مردنيش ، إلى أن رجع أبو الحجاج إلى جهة بني عبد المؤمن ، إلى أن ولي عليها السيد أبو زيد عبد الرحمن بن السيد أبي عبد الله بن أبي حفص ابن أمير المسلمين عبد المؤمن بن علي ، فلما ثار العادل بمرسية تمنع واعتز ، وأظهر طاعة في باطنها معصية ، ودام على ذلك مع أبي العلاء المأمون ، وكان قائد الأعنة المشار إليه في الدفاع عن بلنسية الأمير زياد بن أبي الحملات بن أبي الحجاج بن مردنيش ، فأخرجه من بلنسية ، وملكها ، وفر السيد إلى النصارى ، ولم يزل أمر بلنسية يضعف باستيلاء العدو على أعمالها إلى أن حصرها ملك برشلونة النصراني ، فاستغاث زيان بصاحب إفريقية أبي زكريا بن أبي حفص ، وأوفد عليه في هذه الرسالة كاتبه الشهير أبا عبد الله بن الأبار القضاعي صاحب كتاب «التكملة» و «إعتاب الكتاب» وغير هما ، فقام بين يدي السلطان منشدا قصيدته السينية الفريدة التي فضحت من باراها ، وكبا دونها من جاراها ، وهي : [البسيط]
| أدرك بخيلك خيل الله أندلسا | إنّ السّبيل إلى منجاتها درسا [٣] | |
| وهب لها من عزيز النّصر ما التمست | فلم يزل منك عزّ النّصر ملتمسا | |
| وحاش ممّا تعانيه حشاشتها | فطالما ذاقت البلوى صباح مسا | |
| يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا | للحادثات وأمسى جدّها تعسا [٤] | |
| في كلّ شارقة إلمام بارقة | يعود مأتمها عند العدا عرسا [٥] |
[١] في ب «وأحرقها».
[٢] في أ، ه «البتي».
[٣] منجاتها : أراد نجاتها مما حلّ بها. ودرس : عفت آثاره وطمست معالمه.
[٤] جزرا : معدين للذبح. والجد : البخت والحظ.
[٥] في ب ، ه «في كل شارقة إلمام بائقة».