دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٤٢ - صحيحة الزرارة الاولى
و محصل ما أفاده حول المادة: أن النقض الذي هو ضد الإبرام و الإحكام إنما أسند إلى نفس اليقين الذي هو أمر مبرم و شيء مستحكم؛ لكونه أقوى مراتب الإدراك، لما فيه من الجزم المانع عن احتمال النقيض، فهو مما يعتقد ببقائه و استمراره، بخلاف الظن، فإنه لا يظن باستمراره؛ بل يظن بزواله.
و بالجملة: فلا حاجة إلى جعل «النقض» مسندا إلى «المتيقن» حتى يقال بعدم صحة إسناده إليه إلا إذا كان المتيقن مما فيه اقتضاء البقاء و الدوام؛ لكونه أقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي؛ بل المسند إليه هو نفس اليقين الذي فيه معنى الإبرام و الاستحكام؛ لما في شرح الإشارات من أن «اليقين هو التصديق بطرف مع الحكم بامتناع الطرف الآخر، و يعتبر فيه أمور ثلاثة: الجزم، المطابقة، و الثبات». و عليه: فلا نظر إلى المتيقن حتى يعتبر فيه اقتضاء الدوام.
و يشهد لكون المصحح للإسناد هو اليقين نفسه لا متعلقه المقتضي للبقاء أمور:
أولها: ظهور القضية في ذلك لإسناد النقض فيها إلى نفس اليقين.
ثانيها: أنه لو كان مصحح إسناد النقض إلى اليقين قابلية المتيقن للبقاء لا إبرام اليقين لصح إسناده إلى الحجر الذي يقتضي ثقله بقاءه في مكانه، بأن يقال: «نقضت الحجر من مكانه» أي: رفعته، مع عدم صحته و ركاكته بلا إشكال.
و عليه: فمصحح الإسناد ثبات اليقين و استحكامه لا غيره.
ثالثها: صحة إسناد النقض إلى اليقين مطلقا و إن تعلق بأمر لم يحرز اقتضاؤه للبقاء، و لذا يصح أن يقال: «لا تنقض اليقين باشتعال السراج بالشك فيه»، حتى إذا لم يحرز اقتضاؤه للبقاء، كما إذا لم يعلم أن النفط الموجود في السراج كان ليترا واحدا أم نصف ليتر، فعلى الأول: يكون السراج مشتعلا فعلا، و الشك في اشتعاله حينئذ ينشأ من احتمال رافع له كهبوب الرياح و غيرها، و على الثاني: لا يكون مشتعلا؛ لفناء الوقود.
و عليه: فلا موجب لجعل المنقوض هو المتيقن الذي فيه مقتضى البقاء و الدوام، بدعوى: كونه أقرب إلى المعنى الحقيقي أعني: الأمر المبرم الحسي، فيتعين إرادته إذا دار الأمر بينه و بين إرادة مطلق رفع اليد عن شيء و لو لعدم المقتضى له. و ذلك لما عرفت من:
صحة إسناد النقض إلى نفس اليقين؛ بل هو المتيقن لأنه ظاهر القضية كما عرفت، و إذا كان الإسناد بلحاظ نفس اليقين لا المتيقن صحت دعوى عموم اعتبار الاستصحاب للشك في كل من المقتضى و الرافع.