دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٩ - حكم العمل بالبراءة قبل الفحص
فحاصل الكلام في المقام الأول: أنه لا إشكال في ترتب العقاب على العمل بالبراءة قبل الفحص فيما إذا انكشف أنه مخالف للواقع، و إنما الكلام في أنه على ترك التعلم مطلقا و لو لم يؤدّ إلى المخالفة، أو أنه على ترك التعلم المؤدي إلى المخالفة، أو أنه على مخالفة الواقع. فالأقوال فيه ثلاثة:
الأول: استحقاق العقاب مطلقا، سواء صادف الواقع أم لا، فلو شرب العصير العنبي من غير فحص عن حكمه و لم يكن حراما واقعا استحق العقوبة عليه، و هذا القول منسوب إلى صاحب المدارك [١] و شيخه المحقق الأردبيلي [٢] «(قدس سرهما)» استنادا إلى قبح تكليف الغافل، حيث إن الجاهل غالبا غافل عن الواقع حين فعل الحرام و ترك الواجب، فيكون العقاب على ترك التعلم، و عليه: فوجوب التعلم نفسي يترتب على مخالفته العقوبة.
الثاني: استحقاقه على ترك التعلم المؤدي إلى المخالفة، فلا يستحق العقوبة في المثال المذكور، و ذهب إليه الشيخ الأنصاري «(قدس سره)».
الثالث: استحقاق العقاب على مخالفة الواقع و لكن عند ترك التعلم و الحفص، و ذهب إليه المشهور، و المصنف «(قدس سره)» تبع المشهور، و التزم باستحقاق العقوبة على مخالفة الواقع التي أدى إليها ترك التعلم و الفحص لا على نفس ترك التعلم، فإذا شرب العصير العنبي بدون الفحص عن حكمه و كان حلالا واقعا لا يستحق العقاب و المؤاخذة لعدم مخالفة حكم إلزامي واقعي، و الوجه فيه: أن مخالفة الواقع و إن فرض وقوعها حال الغفلة عن الواقع؛ لكنها لما كانت مستندة إلى تقصيره في ترك الفحص و التعلم تنتهي إلى الاختيار، و لا يقبح العقاب على ما ينتهي إلى الاختيار. و لذا يعاقب أكثر الجهال العصاة على ارتكاب المحرمات مع غفلتهم عن احتمال حرمتها حين الارتكاب، فإن التفاتهم إجمالا قبل الارتكاب إلى احتمال حرمتها كاف في صحة العقوبة مع تمكنهم من الفحص و التعلم و تركهم له اختيارا، و الأخبار المتقدمة في مؤاخذة تارك التعلم أيضا تقتضي استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع مع الشك فيه. هذا تمام الكلام في الأقوال.
و أما منشأ اختلاف الأقوال فهو: أن وجوب التعلم هل هو نفسي و لو كان تهيئيا أو وجوب طريقي أو إرشادي محض.
[١] مدارك الأحكام ٢: ٣٤٤.
[٢] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ١١٠.