دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٤٥ - صحيحة الزرارة الاولى
هذا الإشكال ليس تتمة لكلام الشيخ و إن كان مرتبطا بأصل دعواه، و إنما هو إشارة إلى دليل آخر على اختصاص أخبار الاستصحاب بالشك في الرافع، ذكره المصنف في حاشية الرسائل بقوله: «نعم؛ يمكن تقريب دلالة الأخبار على الاختصاص بالشك في الرافع بوجه أدق و أمتن، و هو: أنه قد عرفت: أن استعمال لفظ النقض فيها إنما هو بلحاظ تعلقه باليقين، و قد عرفت أيضا: أنه لا يصح النهي عنه بحسبه إلا فيما إذا انحل اليقين حقيقة و اضمحل كما هو في مورد قاعدة اليقين، أو مسامحة كما في الشك في الرافع في مورد الاستصحاب ...» الخ. حاشية الرسائل، ص ١٩٠.
و توضيحه: أنه لا ريب في امتناع تعلق وصفي اليقين و الشك بأمر واحد في زمان واحد لكونهما متضادين، فلا بد من اختلاف زمانيهما أو متعلقيهما، فإن اتحد المتعلق و تغاير زمان حصول اليقين و الشك- بحيث تعذر اجتماعهما- كان مورد قاعدة اليقين، كما إذا تيقن يوم الجمعة بعدالة زيد ثم شك يوم السبت في عدالته؛ بنحو انتقض يقينه السابق بسبب سراية الشك إلى العدالة في يوم الجمعة.
و إن تعدد المتعلق و اتحد زمان حصول الوصفين؛ بأن تعلق اليقين بحدوث الشيء و الشك في بقاء ذلك الحادث كان مورد الاستصحاب؛ لاجتماع اليقين و الشك زمانا في الاستصحاب؛ لأنه في حال شكه في البقاء يكون متيقنا بالحدوث.
إذا عرفت هذا فاعلم: أن صحة إسناد النقض إلى اليقين في قوله «(عليه السلام)»: «لا تنقض اليقين بالشك» تتوقف على كون الشك ناقضا لليقين و هادما له حقيقة؛ كنقض النوم مثلا للطهارة، و هذا المعنى إنما يتصور في قاعدة اليقين؛ لسراية الشك فيها إلى اليقين و انمحاء الصورة العلمية عن لوح النفس دون الاستصحاب؛ لبقاء اليقين على حاله، ضرورة: أن الشك في الاستصحاب يكون في البقاء دون الحدوث، فالشك مجتمع مع اليقين لا ناقض له حتى يصح النهي عن نقضه به، و حيث إن الشارع الأقدس طبّق هذه الجملة على الاستصحاب في مضمرة زرارة من اليقين بالوضوء و الشك في انقضاضه بالخفقة و الخفقتين، فلا جرم يكون إسناد النقض إلى اليقين بعناية المجاز و هي: أن متعلق اليقين لما كان من شأنه البقاء لوجود مقتضيه كان كأنه متيقن البقاء في آن الحدوث، فاليقين تعلق بحدوثه حقيقة و ببقائه اعتبارا، نظير ثبوت المقبول كالنطفة بثبوت القابل كالإنسان، فإن ثبوت المقبول بالذات ثبوت للقابل بالعرض، و اليقين بالمقبول يقين بالقابل اعتبارا، فذلك اليقين السابق بالحدوث ذاتا يقين ببقائه اعتبارا لأجل قابليته للبقاء،