دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٠٧ - الكلام في معنى الاستصحاب
المستحيل (١) في حقه تعالى، و لذا (٢) كان النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا.
و يندفع هذا الإشكال (٣): بأن الاتحاد في القضيتين بحسبهما و إن كان مما لا
الحكم عن موضوعه بانتفاء مصلحته، و هذا هو البداء المستحيل في حقه تعالى، و لذا كان النسخ في الأحكام الشرعية دفعا لا رفعا، و المراد بالدفع: أن الحكم من أول الأمر كان محدودا بهذا الحد، و تأخر بيان أمده لمصلحة، لا أن الحكم شرع إلى الأبد ثم نسخ في هذا الزمان، فإنه مستحيل في حقه «سبحانه و تعالى»؛ لاستلزامه الجهل و عدم إحاطته بجهات الحسن و القبح. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فليس النسخ رفعا لأمر ثابت بل دفعا أي: إظهارا لعدم تشريع الحكم إلا موقتا؛ لعدم المقتضى لتشريعه إلى الأبد.
فصار المتحصل: أن منشأ الشك في بقاء الحكم الكلي الفرعي منحصر في اختلاف بعض ما عليه الموضوع من الأوصاف؛ كما عرفت في الأمثلة المذكورة، و معه لا يمكن إحراز وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة. هذا بخلاف غالب الشبهات الموضوعية.
(١) و هو: أن يظهر للحاكم خطأ حكمه السابق فيعدل عنه. و أما البداء بالمعنى الممكن أعني: الإبداء و الإظهار فلا مانع منه.
(٢) أي: و لكون البداء- بمعنى الظهور و العلم بالشيء- مستحيلا في حقه تعالى كان نسخ الحكم الشرعي بمعنى الدفع لا الرفع كما عرفت.
(٣) أي: إشكال عدم اتحاد الموضوع في القضية المتيقنة و المشكوكة في الأحكام الكلية.
و حاصل ما أفاده في دفع الإشكال هو: أن وحدة الموضوع و إن كانت مما لا بد منه في الاستصحاب؛ إلا إن المدار في الاتحاد المزبور هو النظر العرفي لا العقلي، و لا ما هو ظاهر الدليل على ما سيأتي تحقيقه في الخاتمة إن شاء الله تعالى، و مع حكم العرف باتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة- و صدق الإبقاء و النقض على إثبات الحكم و نفيه مع اختلاف بعض حالات الموضوع- يسهل الأمر في إحراز وحدة القضيتين في استصحاب الأحكام إذا احتل بعض أوصاف الموضوع مما لا يكون بنظر العرف مقوما له؛ بل من حالاته و عوارضه و إن كان بنظر الدقي العقلي دخيلا في الموضوع كما لا يخفى، ففي مثال وجوب صلاة الجمعة: لا يكون حضور الإمام «(عليه السلام)» مقوما له بنظر العرف؛ بل من حالاته. و كذا موضوع حكم الشارع بالانفعال و هو ذات الماء الذي طرأ عليه التغير، فلا مانع من استصحاب الأحكام الكلية.