دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٠٥ - الكلام في معنى الاستصحاب
و أما الأحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل (١) أم النقل (٢) فيشكل حصوله (٣) فيها؛ لأنه (٤) لا يكاد يشك في بقاء الحكم إلا من جهة الشك في بقاء
ثلاثا و أربعين شبرا إلا ثمن شبر، فإنه لا يمكن الإشارة إلى ما بقى من الماء بأن يقال:
«كان هذا كرّا و الآن كما كان»؛ لفرض أن الكرّ كان الماء قبل نقص مقدار منه. و كذا الكلام في استصحاب القلة إذا أضيف إلى الماء مقدار يحتمل بلوغه حدّ الكثرة، و نظيرهما استصحاب الاستطاعة المالية في أول عامها إذا كان المال وافيا بمئونة الحج ثم صرف مقدارا منه بحيث يشك في وفاء الباقي بها، فإنه لا يجري استصحاب الموضوع أعني: الاستطاعة.
التقييد بقوله: «في الجملة» لإخراج ما إذا شك العرف في بقاء الموضوع و انثلام وحدته، و قد عرفته بقولنا: «نعم؛ لا يجري الاستصحاب ...».
(١) كحكم العقل بقبح الكذب الضار بالمؤمن الذي هو مستند حرمته الشرعية.
(٢) كالكتاب و السنة اللذين يستند إليهما أكثر الأحكام الشرعية. و كيف كان؛ فغرضه من قوله: «و أما الأحكام الشرعية»: أن الشرط المزبور- أعني: وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة- يشكل إحرازه في استصحاب الأحكام الشرعية.
و حاصل وجه الإشكال: أن الشك في بقاء الحكم الشرعي- في غير النسخ- لا ينشأ إلا من جهة زوال وصف من أوصاف الموضوع مما يحتمل دخله فيه، أو وجود ما يحتمل أن يكون لعدمه من دخل في الموضوع، و معه يرجع الشك في بقاء الحكم إلى الشك في بقاء موضوعه، فلا يحرز بقاء الموضوع حتى يصح استصحاب الحكم، مثلا:
إذا ثبتت النجاسة للماء المتغير بوصف التغير، و وجوب صلاة الجمعة في زمان حضور الإمام «(عليه السلام)»، ثم زال تغير الماء بنفسه أو بعلاج، و كذا إذا غاب الإمام «(عليه السلام)»، فإن الشك في بقاء النجاسة و وجوب صلاة الجمعة حينئذ يستند إلى الشك في بقاء الموضوع؛ لاحتمال دخل التغير و الحضور في موضوع النجاسة و الوجوب، فلا يحرز وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة، هذا.
و لا يخفى: أن ما أفاده المصنف بقوله: «و أما الأحكام الشرعية ...» الخ. إشارة إلى أحد تفاصيل الاستصحاب أعني: التفصيل بين الشبهات الحكمية الكلية و الموضوعات الجزئية، و حكاه الشيخ عن الأمين الاسترابادي، و سيأتي نقل كلامه.
(٣) أي: حصول اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة في الأحكام الشرعية.
(٤) تعليل لقوله: فيشكل، و قد عرفت تقريبه، قال الأمين الاسترابادي فيما حكاه عنه