حاشية فرائد الأصول - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٢٩٢ - في أصل البراءة
قوله (قدّس سرّه): و الأقوى هو الأوّل [١].
أقول: قد يتأمّل فيما قوّاه سيّد مشايخنا (دام أيّام إفاضاته) بما حاصله:
إنّ العقاب على ما لم يكن للمكلّف طريق إلى الامتثال به عقلا أو جعلا قبيح، فلا يترتّب على ترك الامتثال- فيما لا طريق له إلى الامتثال منصوبا من الشارع، بعد فرض عدم تمكّنه من تحصيل العلم- إلّا ما يترتّب على ارتكاب ما كان حلالا في الواقع و لم يتفحّص، أعني مجرّد التجرّي، فلو قلنا بترتّب العقاب عليه فهو، و إلّا فلا شيء عليه.
فحاصل مختاره: إنّه لا يعاقب الجاهل التارك للفحص- لو لم نقل بحرمة التجرّي- إلّا على الواقعيات التي يكون له إليها طريق ظاهري، بحيث لو تفحّص عنه لظفر به، و لا يستلزم ذلك الالتزام بانقلاب التكاليف الواقعية إلى مؤدّيات الطرق، بل اللّازم عليه الالتزام بعدم تنجّز الواقعيّات في حقّ الجاهل الذي لم ينصب له إليها طريق، و هذا ممّا لا محذور فيه.
و لكن يتوجّه عليه أنّ العلم الإجمالي بأنّ عليه تكاليف واقعية كالتفصيلي، طريق عقلي إلى الواقعيّات موجب لتنجّزها، لما تقرّر في الشّبهة المحصورة من أنّ الجهل التفصيلي ليس مانعا عن توجّه التكاليف، بل يكفي في تنجّزها و حسن المؤاخذة على مخالفتها، حكم العقل بلزوم الاحتياط دفعا للضرر المحتمل، فالمقتضي العقاب- و هو حصول مخالفة الأحكام الواقعية- موجود و المانع مفقود، و قيام الطريق المعتبر على خلافه لا يصلح للمانعية، إلّا في حقّ من تشبّث به، لا في حقّ من لم يلتفت إليه و لا يعلم بوجوده و وقع في محذور مخالفة الواقع بمخالفة حكم العقل بوجوب الاحتياط، فما قوّاه المصنّف (رحمه اللّه) هو الحقّ الذي لا يعتريه ريب، و اللّه العالم.
[١]- فرائد الاصول: ص ٣٠٧ سطر ٢١، ٢/ ٤٣٥.