حاشية فرائد الأصول - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٥١٩ - خاتمة في التعادل و التراجيح
نعم، لو بنينا على التعدّي عن المرجّحات المنصوصة- كما هو الأظهر- اتّجه الأخذ بأوثق الخبرين، سواء نشأ ذلك من أوثقية راويه و أضبطيته، أو أضبطية كتابه، أو غير ذلك من الأسباب المورثة للأوثقية، بخلاف ما إذا لم يكن أحدهما أوثق من الآخر، فلا ترجيح حينئذ و إن كان راوي أحدهما في حدّ ذاته أعدل و أصدق، إذ المدار حينئذ على أوثقيّة الرواية.
بل الذي يقوى في النظر، أنّ بناء العرف و الشرع في باب التراجيح على هذا، و ما ذكر في الروايات من المرجّحات المنصوصة من باب التنبيه على الامور المورثة للأوثقية، بكون مضمون أحد الخبرين هو الحكم الشرعي الواقعي.
ثمّ، إنّا لو قلنا بوجوب الترجيح بالأعدلية و نحوها من صفات الراوي، فلا يكاد يمكننا الترجيح بهذا المرجّح في شيء من الأخبار، فانّه موقوف وجهه على إحراز هذه الصّفة في مجموع سلسلة الرواية، بالمقايسة إلى ما يقابله كما لا يخفى وجهه، و هذا ممّا لا طريق لنا إليه كما هو واضح.
و كيف كان، ففي جملة من الأخبار جعل أحدثية أحد الخبرين من المرجّحات، و لم يتعرّض له المصنّف (رحمه اللّه)، كما أنّ الأصحاب أيضا لم يلتفتوا إليه في مقام الترجيح، و سرّه أنّ هذا مخصوص بمن ألقي إليه الخبر المتأخّر، حيث أنّ تكليفه العمل به كيفما كان، كما أنّ في بعض تلك الأخبار إشارة إلى ذلك، حيث قال (عليه السلام): «إنّا و اللّه لا ندخلنّكم إلّا فيما يسعكم» فمتى أمرنا بشيء يجب علينا اتّباع أمره من غير اعتراض بمناقضته لكلامه السابق، فانّه أعرف بحكم اللّه، و ما يقتضيه تكليفه و تكليفنا بحسب مصلحة الوقت، و لكن سائر المكلّفين الذين يجب عليهم استفراغ الوسع في تمييز ما كان منهما مسوقا لبيان الحكم الواقعي عمّا عداه، فليس عليهم الأخذ بالأحدث، بل عليهم التحرّي و الأخذ بما هو الأقرب إلى الواقع باستعمال سائر المرجّحات، و كيف لا و إلّا لم يبق موقع للتراجيح المنصوصة في سائر الروايات، كما لا يخفى.