تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٨ - ظلم ظلم
قالَ الجَوْهرِيُّ: و مِن أَمْثالِهِم: مَنْ أَشْبَه أَباه فما ظَلَم .
قالَ الأَصْمَعيُّ: أَي ما وضعَ الشَّبَه في غيرِ مَوْضِعِه.
و يقالُ أَيْضاً: مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ فقد ظَلَمَ .
قالَ الرَّاغِبُ: و يقالُ في مُجاوَزَةِ الحَدِّ [١] الذي يَجْري مجْرَى نقْطَة الدَّائِرَةِ، و يقالُ فيمَا يَكْثر و فيمَا يَقلُّ مِن التَّجاوزِ، و لهذا يُسْتَعْمل في الذَّنْبِ الكَبيرِ و في الذنْبِ الصَّغير، و لذلِكَ قيلَ لآدَمَ، عليه السَّلام في تعدِّيه ظالِمٌ و في إِبْليس ظالِمٌ و إِن كانَ بينَ الظّلْمين بَوْنِ بَعِيدٌ.
و نَقَلَ شيْخُنا عن بعضِ أَئمَّةِ الاشْتِقاقِ أَنَّ الظُّلْم في أَصْلِ اللُّغَةِ النَّقْص و اسْتُعْمِل في كَلامِ الشارِعِ لمعانٍ منها الكُفْر و منها الكَبائِر.
قلْتُ: و تَفْصِيلُ ذلِكَ في كَلامِ الرَّاغِبِ حيثُ قالَ: قالَ بعضُ الحُكَماء: الظُّلْم ثلاثَةٌ:
الأَوَّل: ظُلْمٌ بينَ الإِنْسانِ و بينَ اللَّهِ تعالَى، و أَعْظَمه الكُفْر و الشّرْك و النِّفاق و لذلِكَ قالَ، عزَّ و جلَّ: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [٢] .
و الثاني: ظُلْمٌ بَيْنه و بينَ الناسِ و إِيَّاه قصدَ بقوْلِه: إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ [٣] ، و بقوْلِه: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنََا لِوَلِيِّهِ سُلْطََاناً [٤] .
و الثالِثُ: ظُلْمٌ بيْنه و بينَ نفْسِه و إِيَّاه قصد بقوْلِه تعالَى:
فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [٥] ، و قوْله تعالَى: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ * [٦] أَي أَنْفُسهم، و قوْله: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [٧] . و كلُّ هذه الثَّلاثَة في الحَقِيقَةِ ظُلْمٌ للنَّفْسِ، فإِنَّ الإِنْسانَ في أَوَّل ما يهمُّ بالظُّلْم فقد ظَلَمَ نفْسَه، فإِذاً الظّالِمُ أَبَداً مُبْتَدِئٌ بنفْسِه في الظُّلْم، و لهذا قالَ تعالَى في غيرِ مَوْضعٍ: وَ مََا ظَلَمَهُمُ اَللََّهُ وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [٨] ، و قَوْلُه تعالَى: وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ [٩] بِظُلْمٍ ، فقد قيلَ: هو الشّرْك، انتَهَى.
و المَصْدَرُ الحَقِيقيُّ الظَّلْمُ بالفَتحِ ، و بالضمِّ: الاسمُ يقومُ مَقامَ المَصْدَر، و أَنْشَدَ ثَعْلَب:
ظَلَمْتُ و في ظَلْمِي له عامِداً أَجْرٌ [١٠]
قالَ الأَزْهرِيُّ: هكذا سَمِعْتُ العَرَبَ تنشدُهُ بفَتْحِ الظاءِ.
ظَلَمَ يَظْلِمُ ظَلْماً ، بالفَتْحِ ، كذا وُجِدَ في نسخِ الصِّحاح.
بخطِّ أَبي زكريَّا، و في بعضِها بالضمِّ، فهو ظالِمٌ و ظَلومٌ ، قالَ ضَيْغَمٌ الأَسَدِيُّ:
إِذا هُوَ لم يَخَفْني في ابن عَمِّي # و إِنْ لم أَلْقَهُ الرجُلُ الظَّلُومُ [١١]
و ظَلَمَهُ حَقَّهُ مُتَعدِّياً بنفْسِه إِلى مَفْعولَيْن، قالَ أَبو زُبَيْد الطائيُّ:
و أُعْطِيَ فَوْقَ النِّصْفِ ذُو الحَقِّ مِنْهمُ # و أَظْلِمُ بَعْضاً أَو جَمِيعاً مُؤَرِّبا [١٢]
قالَ شيْخُنا: و هو يَتَعدَّى إِلى واحِدٍ بالباءِ، كما في قوْلِه، عزَّ و جَلَّ، في الأَعْرافِ فَظَلَمُوا بِهََا [١٣] ، أَي بالآياتِ التي جاءَتْهم.
قالوا: حملَ على معْنَى الكُفْر في التَّعْدِيَة لأَنَّهما مِن بابٍ واحِدٍ، و لأَنَّه بمعْنَى الكُفْرِ مجازاً، أَو تَضْمِيناً، أَو لتَضَمّنه معْنَى التّكْذيبِ، و قيلَ: الباءُ سَبَبِيَّة و المَفْعولُ مَحْذوفٌ، أَي أَنْفُسهم أَو الناس، و تَظَلَّمَهُ إِيَّاهُ. و في الصِّحاحِ: و تَظَلَّمني فلانٌ أَي ظَلَمَنِي مالي، و منه قَوْلُ الشاعِرِ:
[١] في المفردات: مجاوزة الحق.
[٢] سورة لقمان الآية ١٣.
[٣] سورة الشورى الآية ٤٢.
[٤] الإسراء الآية ٣٣.
[٥] فاطر الآية ٣٢.
[٦] البقرة الآية ٣٥.
[٧] البقرة الآية ٢٣١.
[٨] آل عمران الآية ١١٧.
[٩] الأنعام الآية ٨٢.
[١٠] اللسان و صدره:
و صاحب صدقٍ لم تر بني شكاته
و في التهذيب: لم تنلني أذاته.
[١١] اللسان.
[١٢] شعراء إسلاميون، شعر أبي زبيد ص ٥٩١، و اللسان.
[١٣] الأعراف الآية ١٠٣.