تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩٦ - علم علم
اَللََّهُ يَعْلَمُهُمْ [١] ؛ و الثاني إلى مَفْعولَيْن نحْوَ قوْلِهِ تعالَى:
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنََاتٍ [٢] .
قالَ: و العِلْمُ مِن وَجْه ضَرْبان: نَظَريٌّ و عَمَليٌّ؛ فالنَّظَريُّ ما إذا عُلِمَ فقد كَمَلَ نحْو العِلْم بمَوْجُوداتِ العالَمِ ، و العَمَليُّ ما لا يتمُّ إلاَّ بأنْ يعلمَ [٣] كالعلْمِ بالعِبادَاتِ. و مِن وَجْهٍ آخَر ضَرْبان: عَقْليٌّ و سَمْعيٌّ انتَهَى.
و قالَ المَناوِيُّ في التَّوقيفِ: العلْمُ هو الاعْتِقادُ الجازِمُ الثابِتُ المُطابقُ للواقِعِ، أَو هو صفَةٌ تُوجبُ تَمْييزاً لا يَحْتَملُ النَّقِيضَ، أَو هو حصولُ صُورَةِ الشيءِ في العقْلِ؛ و الأَوَّلُ أَخَصّ.
و في البَصائِرِ: المَعْرفَةُ إدْراكُ الشيءِ بتفَكّرٍ و تَدَبّرٍ لأَثَرِه و هي أَخَصُّ مِن العلْمِ ، و الفرْقُ بَيْنها و بينَ العلْمِ مِن وُجُوهٍ لَفْظاً و معْنًى، أَمَّا اللَّفْظُ ففعْلُ المَعْرفَةِ يقَعُ على مَفْعولٍ واحِدٍ و فعْلُ العلْمِ يَقْتضِي مَفْعولَيْن، و إذا وَقَعَ على مَفْعولٍ كانَ بمعْنَى المَعْرفَةِ؛ و أَمَّا مِن جهَةِ المعْنَى فمنْ وُجُوهٍ: أَحدُها: أَنَ المعْرفَةَ تَتَعلَّقُ بذاتِ الشيءِ و العِلْمَ يَتَعلَّقُ بأَحْوالِهِ؛ و الثاني: أَنَّ المَعْرفَةَ في الغالِبِ تكونُ لمَا غابَ عن القلْبِ بعدَ إدْراكِهِ فإذا أَدْرَكَه قيلَ عَرَفَه بخِلافِ العلْمِ ، فالمعْرِفَةُ نسْبَةُ الذّكْر النفْسِي، و هو حُضُورُ ما كانَ غائِباً عن الذَّاكِرِ، و لهذا كان ضِدّها الإنْكارُ و ضِدُّ العلْمِ الجَهْل؛ و الثالِثُ: أَنَّ المَعْرفَةَ عِلْم لعَيْن الشيءِ مفصلاً عمَّا سِوَاهُ بخِلافِ العلْمِ فإنَّه قد يَتَعلَّقُ بالشيءِ مجملاً و لهم فروقٌ أُخَرُ غَيْر ما ذَكَرْنا.
و قوْلُه: و عَلِمَ هو في نفْسِه هكذا في سائِرِ النسخِ، و صَرِيحُه أَنَّه كسَمِعَ لأنَّه لم يَضْبطْه فهو كالأوَّلِ، و عليه مَشَى شيْخُنا في حاشِيَتِه فإنَّه قالَ. و إنَّه يَتَعدَّى في المَعْنَيَيْن الأَوَّلَيْن، و الصَّوابُ أَنَّه مِن حَدِّ كَرُمَ كما هو في المُحْكَمِ و نَصّه و علم هو نفسه و سَيَأْتي ما يدلُّ عليه مِن كَلامِ ابنِ جنيِّ قَرِيباً.
و رجُلٌ عالِمٌ و عَلِيمٌ ج عُلَماءُ فيهما جَمِيعاً. قالَ سِيْبَوَيْه: يقولُ عُلَماء من لا يقولُ [٤] إلاَّ عالِماً .
قالَ ابنُ جنِّي: لمَّا كانَ العِلْمُ قد يكون الوَصْفَ به بعدَ المُزاوَلَةِ له و طُولِ المُلابَسَةِ صارَ كأَنَّه غَريزةٌ، و لم يكنْ على أَوَّلِ دُخولِهِ فيه، و لو كانَ كَذلِكَ لكانَ مُتَعلِّماً لا عالِماً ، فلمَّا خَرَجَ بالغَريزَةِ إلى بابِ فَعُل صارَ عالمٌ في المعْنَى كعَلِيمٍ ، فكُسِّرَ تَكْسيرَه، ثم حملُوا عليه ضدَّه فقالوا جُهَلاء كعُلَماء ، و صارَ عُلَماءُ كَحُلَماء لأَنَّ العِلْمَ مَحْلَمةٌ لصاحِبِه، و على ذلِكَ جاءَ عنهم فاحِشٌ و فُحَشاء لَمَّا كان الفُحْشُ مِن ضُروبِ الجَهْلِ و نَقِيضاً للحِلْم، فتأَمَّل ذلِكَ.
قالَ ابنُ بَرِّي: و يقالُ في جَمْعِ عالِمٍ عُلاَّمٌ أَيْضاً كجُهَّالٍ في جاهِلٍ؛ قالَ يَزيدُ بنُ الحَكَم:
و مُسْتَرِقُ القَصائِدِ و المُضاهِي # سَواءٌ عندَ عُلاَّم الرِّجالِ [٥]
و عَلَّمَهُ العِلْمَ تَعْلِيماً و عِلاَّماً ككذَّابٍ ، فتَعَلَّم ، و ليسَ التَّشْديدُ هنا للتَّكْثيرِ كما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، و أَعْلَمَهُ إيَّاه فَتَعَلَّمَهُ ، و هو صَرِيحٌ في أَنَّ التَّعْليمَ و الإعْلامَ شيءٌ واحدٌ، و فَرَّقَ سِيْبَوَيْه بَيْنهما فقالَ: عَلِمْتُ كأَذِنْتُ، و أَعْلَمْت كآذَنْت.
و قالَ الرَّاغبُ: إلاَّ أَنَّ الإعْلامَ اخْتَصَّ بمَا كان بإِخْبارٍ سرِيعٍ، و التَّعْليم اخْتَصَّ بمَا يكونُ بتَكْريرٍ و تَكْثيرٍ حينَ [٦]
يحْصَلُ منه أَثَرٌ في نفْسِ المُتَعَلِّمِ .
و قالَ بعضُهم: التَّعْليمُ تَنْبِيهُ النفَسِ لتَصوّرِ المَعاني، و التَّعَلُّم تنبه النَّفْسِ لتَصَوّرِ ذلِكَ، و رُبَّما اسْتُعْمِل في معْنَى الإعْلامِ إِذا كان فيه تَكْثيرٌ نحْو قوْلِهِ تعالَى: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمََّا عَلَّمَكُمُ اَللََّهُ [٧] .
قالَ: و تَعْلِيم آدَمَ الأَسْماء هو أَنْ جَعَلَ له قُوَّةً بهَا نَطَقَ و وَضَعَ أَسْماءَ الأَشْياءِ، و ذلِكَ بإلْقائِهِ في رَوْعِه، و كتَعْلِيمه الحَيوانَاتِ كلّ واحِدٍ منها فِعْلاً يَتَعاطَاهُ و صَوْتاً يَتَحرَّاهُ.
و العَلاَّمَةُ، مُشَدَّدَةً ، و عليه اقْتَصَر الجَوْهَرِيُّ، و العَلاَّمُ، كشَدَّادٍ و زُنَّارٍ ، نَقَلَهما ابنُ سِيْدَه، و الأَخيرُ عن اللّحْيانيّ،
[١] سورة الأنفال الآية ٦٠.
[٢] سورة الممتحنة الآية ١٠.
[٣] في المفردات: يعمل.
[٤] بهامش المطبوعة المصرية: قوله: من لا يقول إلا عالماً، هكذا في الأصل، و لعل الأولى حذف «إلا» ، تأمل» .
[٥] اللسان.
[٦] في المفردات: حتى.
[٧] المائدة الآية ٤.