البصائر النصيرية في علم المنطق - ابن سهلان - الصفحة ٤٤٧ - الفصل الرابع فى أن الحد لا يكتسب بالبرهان و القسمة و الاستقراء بل من طريق التركيب
الشيء يمكن أن يقسم تقسيمين ليس قسما أحدهما تحت قسمى الآخر كانقسام الجسم ذى النفس الى المتحرك بالارادة و غير المتحرك مرة، و الى
قكالانسان مثلا لا بدان يبتدئ بتمييز المحمولات التى تحمل عليها حملا عرضيا مما يحمل عليها حملا ذاتيا فأول ما يبتدئ ينظر فى الجوهر هل هو ذاتى أو غير ذاتى و ربما يحتاج ذلك الى الدليل على نفى أنه عرضى. ثم ينتقل الى الامتداد هل هو جوهر حتى يصح ان يكون جزأ من الانسان الّذي هو جوهر و حاجة ذلك الى البرهان لا تخفى.
و هكذا يستقرئ جميع ما يصح ان يكون فى الانسان مبدأ لآثار تصدر عنه حتى يأتى على آخر ذلك بالاستقراء الحاصر، و هو فى جميع ذلك يستعمل البرهان بضروبه لاثبات الجوهرية و جزئية الجزء للماهية و يستعمل القسمة حتى يمحص الذاتى من العرضى و العام من الخاص الى ان تكمل لديه الاجزاء و يصل الى اليقين بأن لا جزء وراء ما وجد، و بعد هذا كله يأخذ فى الترتيب و لا يستغنى فيه عن القسمة كما صر جوابه. و هذا من البديهيات التى لا تخفى على طلاب العلوم و هم يعترفون بها، فالموصل الى الحد فى الحقيقة هو البرهان و القسمة و الاستقراء تتضافر الطرق الثلاثة فى كسبه و لكنهم قالوا ان الحد مفيد للتصور. و البرهان و القسمة و الاستقراء مفيدة للتصديق فكيف يتيسر التوفيق لو كان البرهان كاسبا للحد لهذا حرصوا على ان ينفوا توسط البرهان و ما معه فى تحصيل الحد و أخذوا يضربون فى عماية أضلت عن الغاية المطلوبة للطالب من تحصيل المنطق. و لو شاءوا لرجعوا الى ما قرروه من أن الحد الحقيقى يتوقف على التصديق بوجود المحدود و ما بينوا به ذلك من أن الحد علم و لن يكون علما حتى يكون حكاية لمعلوم و لا يكون الشيء معلوما حتى يكون حقيقة ثابتة ينعكس مثالها الى الذهن. ثم بعد ذلك كانوا ينتقلون الى أن الوصول الى كنه الحقيقة حتى يكون ما فى الذهن مثالا لذاتها لا لعرضها يحتاج الى التمحيص بالدليل، فاذا حصلت عندنا عدة تصديقات نشأ عنها فى الذهن عدة تصوّرات للماهية متى رتبت و جمعت على النسق المعروف مثلت الماهية و اكتسبنا صورتها الحقيقة فتوقف التصور على التصديق لا شناعة فيه. و كأنهم راعوا فى الكاسب أنه هو الممثل الاخير للماهية بعد تحصيل جميع ما يجب تحصيله و لا ينازعهم أحد فى أن طريقه الفرد هو ترتيب الاجزاء بعضها مع بعض و اللّه أعلم.
غ