البصائر النصيرية في علم المنطق - ابن سهلان - الصفحة ٣٢٨ - الفصل الحادى عشر فى تحليل القياسات
اذا لم تجد الا واحدة و الاخرى لا تشارك المطلوب و لا رفيقتها فيستدعى
ق تظهر بالعمل و ان نواميس الوجود تمكن مراعاتها» فان البحث عن تمام الدليل فى هاتين المقدمتين لا يفيد لان هناك نقصا فاحشا فى الدليل. فقد أغفل المستدل أهم اركان دليله و هو أن الّذي يعمل لاظهار آثار القوى و تمكنه مراعاة نواميس الكون هو المفكر و ان سليم الفطرة من الانسان مفكر فكانه أشم رائحة الدليل و أرشد للبحث عنه فقط، أما هو بنفسه فلا وجود له فى كلامه. و كذلك الحال لو وجدت المشاركة بين مقدمة واحدة و بين المطلوب فى أحد أجزائه و لم تجد فى البقية ما يشاركه و لا ما يشارك تلك المقدمة كما لو أضفت على المقدمتين السابقتين قولك: «و كل انسان متفكر» فانها تشارك المطلوب فى موضوعه أو أضفت إليهما و كل من يتمكن من قياس بعض المعلومات الى بعض أمكنه الاختراع فلانها تشاركه فى محموله و لا تجد مشاركة بين البقية و بينه و لا بينها و بين رفيقتها فالنقص و ان لم يكن فى هذه الحالة بالغا مبلغه فى سابقتها غير انه لا يزال مجاوز اللحد و الاشتغال بالتحليل لا يفيد.
و قد يكون المستدل ممن تثق بعلمه فتضطر الى احترام دليله و البحث فى تحليل ما أو رده من المقدمات تحليلا أدق مما أشار إليه و تعليم ذلك يحتاج الى تطويل كما قال المصنف و لكن لا بأس بالاشارة إليه:
يمكنك أن تنظر فى المثال السابق، فتجد لفظ المراعاة و لفظ تظهر بالعمل فتأخذ من قول المستدل انه يريد بالمراعاة المطالعة بالفكر و المراجعة بالنظر العقلى و مقارنة أحكام كل ناموس بأحكام غيره مما يوافقه أو ينافر. و ان نواميس الوجود لا تبعد عن نواميس المخلوقات فان الوجود قد يعمها و البحث عنها لمراعاتها قد يؤدى الى البحث فى قوى المخلوقات ما يخفى أثره منها و ما يظهر، فاذا كان ظهور الآثار لهذه القوى بالعمل فما هو العمل الا ان يكون العمل الاختيارى الّذي يصدر عن قدرة من يراعى تلك النواميس و ينظر فى شئون تلك القوى و ما ظهورها به الا أن تتجلى فى صورة لم تكن معروفة من قبل، و هل معنى هذا الا الاختراع، غير ان هذا التحليل ليس تحليل مقدمات موجودة تامة. و انما هو تحليل أصول لافكار أدمجها صاحبها فى هذه المقدمات قد لا يعنى بالبحث عنها الا مكلف باحترامه، كلف بحراسته فى سمو مقامه و أسهل منه بحث عن الدليل فى غير كلامه.