البصائر النصيرية في علم المنطق - ابن سهلان - الصفحة ٣٢٣ - الفصل الحادى عشر فى تحليل القياسات
عن ترتيبه الطبيعى و ناقصا و زائدا.
فاذا أردت التحليل فميّز المطلوب أوّلا و انظر فى القول الناتج له هل تجد فيه مقدمة تشارك المطلوب أم لا، فان لم تجد [١] فليس القول بناتج له أصلا.
و ان وجدت فانظر فى أن اشتراكهما فى كلا حدّى المطلوب أو فى حدّ منه، فان اشتركا [٢] فى كلا حدّيه فالقياس استثنائى فصغ الاستثنائية من
ق العوارض التى تطرأ على المركب من الانحراف و ما بعده يسهل عليك معرفة كيف تعرض للبسيط.
[١] -فان لم تجد فليس القول بناتج الخ. و ذلك كدعوى بعض المشايخ: «انه يستغنى عن النظر فى معانى القرآن و الأحاديث النبوية و الاستدلال على ذلك بأن كتب الفقه تحتوى على بيان الاحكام الشرعية و قد انسد باب الاجتهاد» فانك لا تجد مقدمة من هذه المقدمات تشترك مع المطلوب فى شيء. و كقول بعض السوفسطائية: «ان الانسان لا عقل له لان حوادث الكون تقع بالاتفاق و ما يقع بالاتفاق لا علة له» فانك ترى ان المقدمات لا تشترك مع المطلوب فى شيء.
[٢] -فان اشتر كافى كلا حديه. أى فى موضوعه و محموله أو مقدمه و تاليه معا على حسب المطلوب حمليا كان أو شرطيا و اشتراك بعض المقدمات مع المطلوب فى الموضوع و المحمول معا، كما فى استدلالنا على نفى التركيب عن الواجب فى «رسالة التوحيد» بقولنا: «لو تركب (أى الواجب) لتقدم كل جزء من أجزائه على جملته التى هى ذاته و كل جزء من أجزائه غير ذاته بالضرورة فيكون وجود جملته محتاجا الى وجود غيره و قد سبق ان الواجب ما كان وجوده لذاته» . فان المطلوب هو ليس الواجب بمركب و القياس مركب من اقترانى شرطى و استثنائى، أما الاستثنائى فلانك عند التحليل وجدت ان مقدمة فى القياس و هى لو تركب لكان وجود جملته التى هى ذاته محتاجا الى غيره تشترك مع المطلوب فى الحدين الواجب و المركب.
و قد تركبت من جزءين أحدهما تركب الواجب و الثانى كان محتاجا الى غيره و هى تباين المطلوب بالجزء الثانى أى تخالفه لان المحمول فيها يخالف محموله فتصوغ الاستثنائية من هذا الجزء الّذي يخالف المطلوب بمعنى انه لا يتفق معه فى حديه.
فتقول لكن الواجب ليس محتاجا الى غيره لما سبق فى تعريفه انه ما كان وجوده لذاته فيثبت المطلوب و هو انه ليس بمركب. غير ان هذه الشرطية المذكورة كانت نتيجة مفصوله لم تذكر متصلة الاجزاء استغناء بذكر جزئها الاول فى الشرطية الاولى و جزئها الثانى فى قولنا فيكون وجود جملته محتاجا الخ. أما اشتراك بعض المقدمات فى مقدم المطلوب و تاليه معا ان كان المطلوب شرطيا فكما لو كان مطلوبك: «كلما كان الانسان مستقيم الفكر كان أسمى من سائر الحيوان» و قلت فى الاستدلال عليه «لو لم يكن كلما كان الانسان مستقيم الرأى كان أسمى من سائر الحيوان» لكان «قد يكون اذا كان مستقيم الفكر فهو فى منزلة الحيوان أو أحط منه» مع ان استقامة الفكر هى مزية الانسان على الحيوان لا غير، فلا يصح معها أن يساويه أو ينحط عنه. فانك ترى ان بعض المقدمات و هى الاولى تشترك مع المطلوب فى مقدمه و تاليه بعد حذف حرف الشرط و السلب.
فتصوغ الاستثنائية من أجزاء المقدمة الاخرى التى لا تتفق مع المطلوب فى كلا جزأيه فتقول: «لكن ليس البتة اذا كان مستقيم الفكر فهو فى منزلة الحيوان أو أحط منه لان استقامة الفكر الخ» و قولك لان استقامة الخ فى معنى قياس استثنائى نظمه لو لم يصدق ليس البتة الخ لكان للانسان مسم على الحيوان غير استقامة الفكر لكن ليس له مسم سواها بالبداهة، فاستثنائيتنا صادقة فقولك: «فلا يصح معها أن يساويه أو ينحط عنه هو بعينه ليس البتة اذا كان مستقيم الفكر» الخ. و قد أخذته فى القياس بقولك لو لم يصدق الخ فقد اشتركت احدى المقدمتين مع المطلوب فى مقدمه و تاليه و قد صغت الاستثنائية من المقدمة الاخرى و هى ان استقامة الفكر هى مزية الانسان على غيره دون سواها. و قد تجد هاهنا ان صورة احدى المقدمتين حملية و هى قولك: فلا يصح معها ان يساويه أو ينحط عنه مع انها تتفق مع المطلوب الشرطى فى مقدمه و تاليه لانها فى معناه فننبهك الى ما سينبهك الى المصنف من أن الالفاظ و صورها لا ينبغى أن تشوش عليك عند النظر الى المعانى و جواهرها.
و أما اشتراك بعض المقدمات مع المطلوب فى أحد حديه فكما قدمنا عن «رسالة التوحيد» الاستدلال على أن الواجب ليس بمركب لكن لا فى الدليل المباشر للمطلوب بل فى القياس على احدى مقدماته فان القياس الاول أقيم دليلا على أنه لو تركب الواجب لكان غير ذاته متقدما عليه بالذات و هو معنى كونه محتاجا فى الوجود الى غيره، فاذا نظرت فى المقدمتين و المطلوب وجدت احداهما و هى الثانية تشترك مع المطلوب فى حد واحد و هو «غير ذاته» ، و قد وجدت فيه مقدمة شرطية فتذهب بلا عسر الى أن القياس اقترانى شرطى مؤلف من شرطية متصلة و حملية من الشكل الثالث و المشترك فيه موضوع المطلوب لان المطلوب فى الحقيقة هو تالى الشرطية و هو أن يكون من غير ذات الواجب ما يتقدم عليه على أنه لازم لتركبه، فتضم الى الجزء الآخر من المقدمة و هو «كل جزء من أجزائه» ثانى جزأى المطلوب و هو «ما هو متقدم عليه بالذات» فيكون نظمه على الاصطلاح هكذا: «لو تركب الواجب لكان كل جزء من أجزائه متقدما عليه بالذات و بالوجود و كل جزء من أجزائه غير ذاته فلو كان الواجب مركبا كان من غير ذاته ما هو متقدم عليه بالذات و الوجود و هو المطلوب» . ثم تقول لتتميم الدليل بعد أخذ معنى تالى النتيجة «لو كان الواجب مركبا كان مفتقرا الى غيره فى الوجود لكنه ليس بمفتقر لما سبق من أن وجوده لذاته» الخ.
و انما يضطر المستدل فى أغلب الاحيان الى مخالفة النظم الاصطلاحى فى التعبير لان للالفاظ و الأساليب نسقا خاصا بها فى كل لغة فلا يجد مندوحة عند المحافظة على أساليب اللغة و افراغ القول فى أفضل قوالبه و اظهاره فى أحسن صوره عنده عن أن يغير أوضاع الالفاظ فى التعبير فقط و ان كان سير العقل فى ترتيب المقدمات لم يختلف و لم يطرأ عليه أدنى اضطراب. و هذا هو السبب فى أنك قلما تجد مستدلين على مطلوب واحد بدليل واحد يتفقان على تعبير واحد متى كان أحدهما غير ناقل عن الآخر. و ليس بضارّ فى الاستدلال أن تكون نتيجتك كون الغير متقدما فى الوجود على الواجب مثلا و أن تأخذها بعينها عند جعلها مقدمة للدليل الأخير بل تأخذ معناها و هو كون الواجب مفتقرا الى غيره فان اختلاف النسق و اللفظ لا يمس جوهر المعنى و هو الحاجة و الافتقار بشيء.