البصائر النصيرية في علم المنطق - ابن سهلان - الصفحة ٥٣ - الفصل الأول فى ماهية المنطق و وجه الحاجة إليه و منفعته
عاصم للذهن عن الزلل، مميز لصواب الرأى عن الخطاء فى العقائد، بحيث تتوافق العقول السليمة على صحة، و هذا هو المنطق.
و انّما احتيج الى تمييز الصواب عن الخطأ فى العقائد للتوصل بها الى السعادة الأبدية، لأن سعادة الانسان من حيث هو انسان عاقل فى ان يعلم الخير و الحق، أما الحق فلذاته و اما الخير فللعمل به.
و قد تواترت شهادة العقول و الشرائع على ان الوصول الى السعادة الأبدية بهما.
و اذا كان نيل السعادة موقوفا على معرفة الحق و الخير، و الروية الانسانية قد يعتريها الزيغ و العدول عن نهج السداد فى السلوك الفكرى على الاكثر:
فربما اعتقد غير الحق حقا و ما ليس بخير خيرا و استمرت على اعتقادها فحرم صاحبها السعادة الأبدية لما فاته من درك الحق و الخير و التمييز بينهما و بين الباطل و الشر و تخلّف عن نيل النعيم الدائم فى جوار رب العالمين.
فاذن لا بد لطالب النجاة من الهدى الى وجه التمييز بين الحق و الباطل و الخير و الشر و الطريق إليه بمعرفة «القانون الصناعى» الّذي يقيه الغلط فى صواب النظر، و اذا حقت الحاجة إليه فنشرح وجه غايته و منفعته زيادة شرح فنقول:
الحاجة الى المنطق لدرك المجهولات، و المجهولات اما أن يطلب تصورها فقط او يطلب التصديق بالواجب فيها من نفى او اثبات. و التصور هو حصول صورة شيء ما فى الذهن فقط، مثل ما اذا كان له اسم فنطق به تمثل معناه فى الذهن مثل تمثل معنى المثلث او الانسان فى الذهن، دون ان يقترن به حكم بوجودهما او عدمهما او وجود حالة او عدمها لهما.
فانا قد نشك فى وجود شيء او عدمه، فيحصل فى ذهننا المعنى المفهوم من لفظه.
و اما التصديق فهو حكم الذهن بين معنيين متصورين: بأن أحدهما الآخر